ومما يدل على احترام الإسلام للمرأة ورعاية حقوقها مسألة نكاح المرأة واختيارها في ذلك: فقد بوب الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه وقال: باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاهما، ثم أورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن صلى الله عليه وسلم قال:"لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن"، قالوا يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال:"أن تسكت" (13)
وتقديراً لدور المرأة في بناء المجتمع الإسلامي، فقد بايع رسول ا صلى الله عليه وسلم النساء في موقعة مشهودة للقاصي والداني، فكانت بيعة النساء ثانى يوم الفتح ـ في العام الثامن من الهجرة ـ على جبل الصفا بعدما فرغ من بيعة الرجال ..
قال الله تعالى: ]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهََ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )[الممتحنة12( .
واشتراك المرأة مع الرجل ، على أساس المساواة التامة ، في جميع المسؤوليات التي ينبغي أن ينهض بها المسلم ، ولذلك كان على الخليفة أو الحاكم المسلم أن يأخذ عليهنّ العهد بالعمل على إقامة المجتمع المسلم بكل الوسائل المشروعة الممكنة ، كما يأخذ العهد في ذلك على الرجال ' ليس بينهما فرق ولا تفاوت .
ومن هنا كان على المرأة المسلمة أن تتعلم شئون دينها ودنياها ، كما يتعلم الرجل، وأن تسلك كل السبل المشروعة الممكنة إلي التسلح بسلاح العلم والوعي و التنبه إلي مكامن الكيد و أساليبه لدى أعداء الإسلام الذين يتربصون به، حتى تستطيع أن تنهض بالعهد الذي قطعته على نفسها وتنفذ عقد البيعة الذي في عنقها، وواضح أن المرأة لا تستطيع أن تنهض بشيء من هذا إذا كانت جاهلة بحقائق دينها غير منتبهة إلي أساليب الكيد الأجنبي من حولها (14) .
ولقد احترم الرسو صلى الله عليه وسلم جوار المرأة ، فكان صلى الله عليه وسلم أول من اعترف بجوار المرأة في الجزيرة العربية بعد عهود الظلام .
ومثال أم هانىء واضح وجلي .. فقد أدخلت أحد المجرمين في جوارها يوم فتح مكة وقبل وعفا الرسو صلى الله عليه وسلم عن هذا المجرم ..
فلقد ذهبت أم هانئ بنت أبى طالب إلى رسول ا صلى الله عليه وسلم عام الفتح فقالت: يا رسول الله زعم ابن أمي علىّ أنه قاتل رجل أجرته: فلان ابن هبيرة ، فقال رسول ا صلى الله عليه وسلم:"قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" (15)
"وتستطيع أن تتأمل هذا، فتعلم مدى الرفعة التي نالتها المرأة في حمى الإسلام وظله، وكيف أنها نالت كل حقوقها الإنسانية و الاجتماعية كما نالها الرجل سواء بسواء، مما لم يحدث نظيره في أمة من الأمم غير أن المهم أن تعلم الفرق بين هذه المساواة الإنسانية الرائعة التي أرستها شريعة الإسلام، والمظاهر التقليدية لها مما ينادى به عشاق المدنية الحديثة اليوم، تلك شريعة من المساواة الدقيقة القائمة على الفطرة الإنسانية الأصيلة، يتوخى منها سعادة الناس كلهم نساءً ورجالاً، أفراداً وجماعات، وهذه نزوات حيوانية أصيلة يتوخى من ورائها اتخاذ المرأة مادة تسلية ورفاهية للرجل على أوسع نطاق ممكن، دون أى نظر إلى شئ آخر ." (16) .
إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتبر المرأة جرثومة خبيثة كما اعتبرها الآخرون، ولكنه قرر حقيقة تزيل هذا الهوان عنها، وهي أن المرأة بين يدي الإسلام قسيمة الرجل، لها ما له من الحقوق وعليها أيضاً من الواجبات ما يلائم تكوينها وفطرتها، وعلى الرجل بما اختص به من صفة الرجولة، وقوة الجلد، وبسطة واتساع الحيلة، أن يلي رعايتها، فهو بذلك وليها، يحوطها بقوته، ويذود عنها بدمه، وينفق عليها من كسب يده، ذلك ما قرره الله تعالى بقوله،: ] وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ[ (البقرة: 228) .
هوامش المبحث السابع:
2.هـ. أ. ر. جب: المحمدية ، طبعة لندن ( 1953 ) ص 33.
3.مؤلف أمريكي معاصر، يعد كتابه ( قصة الحضارة) ذو ثلاثين مجلدا ، واحد من أشهر الكتب الني تؤرخ للحضارة البشرية عبر مساراتها المعقدة المتشابكة , عكف على تأليفه السنين الطوال , وأصدر جزأه الأول عام 1935، ثم تلته بقية الأجزاء ومن كتبه ( قصة الفلسفة ) .
4.ول ديورانت: نقلاً عن: عماد الدين خليل: قالوا عن الإسلام.
5.مستشرق فرنسي ، عمل مديرا لمكتبة الجزائر، من آثاره: ( حياة محمد) (باريس 1929) وهو من أدق ما صنفه مستشرق عن صلى الله عليه وسلم , و ( محمد والسنة الإسلامية ) (باريس 1955) ، ونشر عددا من الأبحاث في المجلات الشهيرة مثل: (المجلة الأفريقية ) ، و ( حوليات معهد الدراسات الشرقية) ، و ( نشرة الدراسات العربية) ... الخ).
6.نقلاً عن: عماد الدين خليل: قالوا عن الإسلام..
7.نظمي لوقا: نقلاً عن: عماد الدين خليل: مرجع سابق.