فهرس الكتاب

الصفحة 24461 من 27364

للنبي صلى الله عليه وسلم الفضل الأعظم في نشر السلام في ربوع الجزيرة العربية، التي عاشت عدة قرون في حروب طاحنة ومعارك على أتفه الأسباب، وكثرت حروب"الفجار"التي انتهك أصحابها حرمة مكة وحرمة الأشهر الحرم ..

ولأول مرة تشهد الجزيرة العربية تلك المعاهدة المحمدية التي نادى بها رسول ا صلى الله عليه وسلم في العام السادس من الهجرة، وهي المعاهدة المشهورة بـ"صلح الحديبية"..

رغم ما كان من بنود مجحفة بالمسلمين في هذا الصلح ..

وإن المتأمل لأحداث صلح الحديبية يتبين له حرص النبي صلى الله عليه وسلم الشديد على تحقيق السلام وأنه كان دائماً يجنح للسلم إن هيئت له أسباب إقامة السلام في أي زمان وفي أي مكان ..

فعندما قصد رسو صلى الله عليه وسلم العمرة مع أصحابه، في العام السادس من الهجرة، أبت قريش أن تسمح للنبي وأصحابه بإداء عبادة العمرة، وهذا الفعل من القريشيين يعد جريمة كبرى في عرف العرب، إذ كيف يُصد عن البيت من جاء معظماً له !!

وعرفت قريش ضيق الموقف، فأسرعت إلى بعث سُهَيْل بن عمرو لعقد الصلح، وأكدت له ألا يكون في الصلح إلا أن يرجع عنا عامه هذا، لا تتحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبداً، فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآ صلى الله عليه وسلم قال:"قد سهل لكم أمركم، أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل" (1) ، فجاء سهيل فتكلم طويلاً، ثم اتفقا على قواعد الصلح، وهي هذه (2) :

1 .الرسو صلى الله عليه وسلم يرجع من عامه هذا، فلا يدخل مكة، وإذا كان العام القابل دخلها المسلمون فأقاموا بها ثلاثاً، معهم سلاح الراكب، السيوف في القُرُب، ولا يتعرض لهم بأي نوع من أنواع التعرض .

2 .وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض .

3 .من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وتعتبر القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين جزءاً من ذلك الفريق، فأي عدوان تتعرض له أي من هذه القبائل يعتبر عدواناً على ذلك الفريق .

4 .من أتي محمداً من قريش من غير إذن وليه ـ أي هارباً منهم ـ رده عليهم، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد ـ أي هارباً منه ـ لم يرد عليه .

ثم ُدعي علي بن أبي طالب ليكتب مسودة الصلح، وكره سهيل بن عمرو ـ مبعوث القريشيين ـ أن يكتب في صدر الصحيفة"محمد رسول الله"وأبى عليّ بن أبي طالب، وهو كاتب الصحيفة، أن يمحو بيده"رسول الله"، فمحا رسول ا صلى الله عليه وسلم هذه الصفة بيده، وأمر الكاتب أن يكتب"محمد بن عبد الله" (3) . ثم تمت كتابة الصحيفة، ولما تم الصلح دخلت قبيلة خزاعة في عهد رسول الله وكانوا حليف بني هاشم منذ عهد عبد المطلب، ، فكان دخولهم في هذا العهد تأكيداً لذلك الحلف القديم ـ ودخلت قبيلة بنو بكر في عهد قريش (4) .

ومن المواقف التي تدل على حرص الرسو صلى الله عليه وسلم على السلام، ما حدث في معركة الخندق ( الأحزاب) في العام الخامس من الهجرة، حيث حصار المشركون المدينة المنورة، فلما اشتد على المسلمين الحصار و البلاء بعث رسول ا صلى الله عليه وسلم ، إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف المرى، وهما قائدا غطفان ـ في جيش الأحزاب ـ وعرض عليهما رسول ا صلى الله عليه وسلم ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فأحضر رسول ا صلى الله عليه وسلم الصحيفة والدواة، وأحضر عثمان بن عفان فأعطاه الصحيفة، وهو يريد أن يكتب الصلح بينهما، وعباد بن بشر قائم على رأس رسول ا صلى الله عليه وسلم ، مقنع في الحديد، فأقبل أسيد بن حضير إلى رسول ا صلى الله عليه وسلم ، ومعه الرمح، ولا يدري بما كان من الكلام حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة.فلما أراد رسول ا صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك بعث إلى سعد بن عبادة وسعد بن معاذ فذكر لهما ذلك، واستشارهما فيه (5) .

فرفضا هذه الفكرة..

ونزل النبي صلى الله عليه وسلم على رأي الجماعة، فلم يتم هذا الصلح، لأن فيه إهانة لكرامة المسلمين، وتفريط في ثرواتهم !

وفي فتح مكة في العام الثامن من الهجرة أعلن الرسو صلى الله عليه وسلم الأمان العام لكن الناس، فقال:"من دخل دار أبى سفيان فهو آمن ومن أغلق بابه عليه فهوآ من ومن دخل المسجد فهو آمن" (6) . وعهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم بدخول مكة أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم (7) ..

وعفا رسول ا صلى الله عليه وسلم عن أهل مكة، ونتيجة لذلك ؛ دخلت أعداد كبيرة منهم في الإسلام..!

هوامش المبحث التاسع:

1-صحيح ـ رواه البيهقي في السنن الكبرى ( 9\ 220) ، وهو في الإرواء (1\ 57) .

2-انظر: السهيلي: الروض الأنف 4\ 48،وابن هشام: السيرة النبوية 2\ 316، وابن كثير: السيرة النبوية 3\ 320، وصفي الرحمن المباركفوري: الرحيق المختوم، 298، وعلي محمد الصلابي: السيرة النبوية، 2\284.

3-انظر: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم: جوامع السيرة 1 / 209 .

4-انظر: محمد بن يوسف الصالحي الشامي:سبل الهدى والرشاد 5\ 52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت