1 -إنَّ من القواعد الشرعية الثابتة: ( درء المفاسد - إذا كانت مكافئة للمصالح أو أعظم - مقدَّم على جلب المصالح ) ؟ ( [11] ) .
فالشريعة الإسلامية مبناها على جلب المصالح وتكميلها , ودفع وتعطيل المفاسد وتقليلها ، فما غلبت مصلحته أباحته ، وما غلبت مفسدته منعته ( [12] ) ، فالمأمورات والمنهيات في الشريعة تشتمل كل منهما على مصالح ومضار ، والحكم في كل منها على الأغلب ( [13] ) .
وهذه القاعدة: من مسائل الإجماع عند العلماء ، الثابتة بالكتاب , والسنة , والعقل ( [14] ) .
ولو سُلِّم بأن هناك بعض الفوائد القليلة العائدة على المرأة في تولِّيها للإمامة العظمى فما دونها مما فيه ولاية على الرجال ، إلاَّ أنه بالنظر إلى ما يترتب عليه من مفاسده نجده أضعافاً مضاعفة بالنسبة لتلكم المصالح القليلة النسبية التي يرجوها من يدعو إليها ! لأن أخطارها ومفاسدها قد بلغت من الكثرة والعموم ما لا ينكره عاقل منصف .
ومن هنا جاء باب ( سدّ الذرائع المفضية إلى المفاسد ) أو المؤدية إلى إهمال أوامر الشرع ، أو التحايل عليها ولو بغير قصد ( [15] ) ، فإنَّ ( سدَّ الذرائع أصلٌ من أصول الشريعة الإسلامية ، وحقيقته: منع المباحات التي يُتوصل بها إلى مفاسد أو محظورات .. ولا يقتصر ذلك على مواضع الاشتباه والاحتياط ، وإنما يشتمل كل ما من شأنه التوصل به إلى الحرام ) ( [16] ) .
وعرَّفها الباجي ت474هـ بقوله: ( المسألة التي ظاهرها الإباحة ويُتوصل بها إلى فعل المحظور ) ( [17] ) , وابن رشد ت520هـ بقوله: ( هي الأشياء التي ظاهرها الإباحة ويُتوصل بها إلى فعل المحظور ) ( [18] ) , وابن العربي ت543هـ بقوله: ( هي كل عمل ظاهره الجواز يُتوصل به إلى محظور ) ( [19] ) .
والقرطبي ت671هـ بقوله: ( الذريعة: عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه يُخاف من ارتكابه الوقوع في ممنوع ) ( [20] ) , والقرافي المالكي ت684هـ بقوله: ( سد الذرائع ومعناه: حسم مادة وسائل الفساد دفعاً لها ) ( [21] ) .
وشيخ الإسلام ابن تيمية ت728هـ بقوله: ( الذريعة: الفعل الذي ظاهره أنه مباح وهو وسيلة إلى فعل المحرَّم ) ( [22] ) .
والشاطبي ت790هـ بقوله: ( الذريعة: هي التوصل بما هو مصلحة إلى مفسدة ) ( [23] ) , وابن النجار ت972هـ بقوله: ( الذريعة هي ما ظاهره مباح , ويُتوصل به إلى محرَّم ) ( [24] ) .
فالشارع الحكيم إذا حرَّم أمراً حرَّم الوسائل المفضية إليه ( [25] ) .
ولقد اتفقت جميع المذاهب الأربعة على إعمال قاعدة سدِّ الذرائع في الذريعة التي تؤول إلى المحرَّم قطعاً , وفي الذريعة التي تؤول إلى المحرَّم ظناً ( [26] ) .
2-أتت الشريعة الإسلامية بالعمل بالعُرف والعادة التي لا تُخالف الشرع , وما تعارفَ عليه المسلمون مما لا يُخالف الكتاب والسنة يُعتبرُ حجة يجب العمل به ( [27] ) .
قال النسفي رحمه الله تعالى: ( العُرف والعادة ما استقرَّ في النفوس من جهة العقول , وتلقَّته الطباع السليمة بالقبول ) ( [28] ) .
وقال محمد الجرجاني ت816هـ رحمه الله تعالى: ( العُرف ما استقرَّت النفوس عليه بشهادة العقول , وتلقَّته الطبائع بالقبول .. وكذا العادة هي ما استمرَّ الناس عليه على حكم العقول وعادوا إليه مرَّة بعد أخرى ) ( [29] ) .
وقد أَعمل الشارع الحكيم جانب العرف وجعل له اعتباراً في كثير من العقود والأحوال الشخصية والتصرفات الدنيوية , وأخذ الفقهاء بالعرف وأولوه عناية فائقة في المسائل الفقهية , قال ابن نجيم رحمه الله تعالى: ( واعلم أنَّ اعتبار العادة والعرف يُرجع إليه في الفقه في مسائل كثيرة ) ( [30] ) .
ولقد دلَّ القرآن الكريم , والسنة التقريرية , والإجماع التقريري على العمل بالعادة والعرف ( [31] ) .
وإنما يُعتبر العرف عند عدم التصريح بخلافه , ووردت هذه القاعدة الفقهية بلفظ: العرف إنما يُعتبر فيما لا نصَّ بخلافه , وبلفظ: العرف غير معتبر في المنصوص عليه , وبلفظ: العرف يسقط اعتباره عند وجود التسمية بخلافه , وبلفظ: العرف لا يُعارض النص , وبلفظ: العرف يكون حجة إذا لم يُخالف نصَّ الفقهاء ( [32] ) .
ومن هنا: تظهر العلاقة الجلية بين العرف وسدِّ الذرائع حيث إنَّ كلا القاعدتين تسعيان لتحقيق مقاصد الشارع , وجعل أحكام الشرع صالحة لكلِّ زمان ومكان ... فتبيَّنَ لنا: أنَّ عادات وأعراف المسلمين عبر كلِّ العصور تُنكر ( تولِّي المرأة للإمامة فما دونها مما فيه ولاية على الرجال ) والحمد لله .
3 -إنَّ المرأة ليست أمثل من الرجل - في تولِّي إحدى وزارتي التفويض , أو التنفيذ - من ناحية القدرة والكفاية على معاناة السياسة في تحصيل مصالح الأمة , فضلاً عن التفرُّغ التام لمهام ومسؤوليات تلك الوزارتين والسفارة , وبيانه من ناحيتين:
الناحية الأولى: للمرأة وظيفتان: الوظيفة الأولى: أصلية , وهي الأمومة وكونها زوجة .
والوظيفة الثانية: خاصة - طارئة - وهي الوزارة أو رئاستها .