فهرس الكتاب

الصفحة 24557 من 27364

وقد تكاثرت في السنوات الأخيرة نداءات المخططين والمنظرين والمتنفذين في الغرب بضرورة إشعال وتوسيع وتطوير (حرب الأفكار) ضد العالم الإسلامي، وقد كان أول من أطلق هذا المصطلح، ووضع له الأساس الفكري القاضي الأمريكي (لويس باول) ، في بداية السبعينيات من القرن الماضي، وكان يريد من نشره وتفعيله، مواجهة الأيديولوجيات المعارضة والمعادية للرأسمالية، وتحمس لفكرته أحد اليمينيين المتطرفين وهو (وليام كورز) فأسس مراكز للأبحاث لهذا الغرض.

لكن وزير الحرب الأمريكي المُقال المهزوم (دونالد رامسفيلد) هو أول من أطلق شرارة (حرب الأفكار) ضمن ما أسمته أمريكا (الحرب على الإرهاب) وذلك عندما دعا في مقابلة صحفية في خريف عام 2003م إلى شن تلك الحرب وظل يردد الكلام عن أهميتها، حتى أواخر بقائه في منصبه، وقد أدلى بحديث إلى صحيفة الواشنطن بوست في (27 /3/2006م) قال فيه: (نخوض حرب أفكار، مثلما نخوض حرباً عسكرية، ونؤمن إيماناً قوياً بأن أفكارنا لا مثيل لها) وأردف قائلاً: (إن تلك الحرب تستهدف تغيير المدارك، وإن من المحتم الفوز فيها وعدم الاعتماد على القوة العسكرية وحدها )

وعجيب أن يكون المسؤول الأول عن وضع الخطط العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية في أوج هياجها واستعلائها، هو نفسه المتابع الرسمي لتلك الحرب الفكرية، حيث عقد مزاوجة لافتة بين ما هو عسكري وبين ما هو فكري، مؤسساً بذلك لحملةٍ صليبيةٍ فكرية، موازية للحملة الصليبية العسكرية، وقد أفصح عن ذلك المسؤول العسكري (المدني) عن الغرض المبيت لتلك الحرب فقال في تصريح له في أكتوبر 2003م: (نريد لشعوب الشرق الأوسط أن يكون إسلامها كإسلام الشعوب المسلمة في شرق أوروبا) يقصد مسلمي البوسنة وألبانيا، الذين ذاب غالبيتهم ـ إلا من رحم الله ـ في قاع الحياة الأوروبية المادية، حتى صار الدين بالنسبة لأكثرهم مجرد انتماء تاريخي، لولا المحنة التي تعرضوا لها على يد النصارى الصرب فأيقظت فيهم الحنين للدين بعد أن أُبعدوا عنه.

ما صرَّح به رامسفيلد لم يكن أحلاماً شخصية، ولا مجرد أمانٍ أمريكية، بل هو توجه صليبي عام، يستهدف الإسلام بالتغيير، والمسلمين بالتغرير، وقد تبين ذلك من الحملة شبه المنظمة على شعائر الإسلام وشرائعه وحرماته ومقدساته في معظم بلدان أوروبا في الآونة الأخيرة.

وفيما يخص (حرب الأفكار) تتابعت التصريحات والإيضاحات التي تحكي أبعاد تلك الحرب المعلنة، من قوىً غربية عديدة معادية، وليس من أمريكا فقط، وكان آخر ذلك ما أدلى به «الذيل المهزوز» )توني بلير) رئيس الوزراء البريطاني، في كلمات ذات مغزى خلال مؤتمر صحفي عقده في 17 /4 /2007م، قال فيه: (إن الوقت قد حان لتتوحد إدارات الحكومة البريطانية، من أجل تحقيق النصر في حرب الأفكار) وأضاف ذلك المستقيل المهزوم: (إذا كنتم تريدون أن تنقلوا الحرب إلى أرض الأعداء، فعليكم أن تهزموا أفكارهم ودعايتهم إلى جانب هزيمة مخططاتهم) .

أما زعيم المهزوزين المهزومين (بوش) ، فكان قد قال في خطاب له في أعقاب هجوم سبتمبر: (نحن نحارب في جبهات مختلفة عسكرية واقتصادية وسياسية وفكرية، ونحن واثقون بأننا سننتصر في كل جبهة) وقد نصت الورقة الرئيسية لاستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة على أن أحد أهم أدوات أمريكا في نشر مبادئها في الشرق الأوسط هو (شن حرب أفكار) مع اللجوء للخيار العسكري عند الحاجة إليه.

وبعد هذا التقرير لم تهدأ مراكز الأبحاث ومعاهد التفكير المحسوبة أو القريبة من إدارة بوش في إصدار التقارير التي تصب كلها في كيفية إدارة تلك الحرب بكفاءة، وأشهرها بالطبع التقارير الصادرة عن (معهد راند للأبحاث) حيث أصدر ذلك المعهد عدداً من التقارير الخاصة بتحديد الأهداف والوسائل الخاصة بمواجهة المد الإسلامي عموماً، والتوجه السني المقاوم خصوصاً.

كان من الطبيعي في ظل التوافق على أهمية (حرب الأفكار) أن توضع لها السياسات، وتستخلص التجارب، وهذا ما حدا بوزيرة الخارجية الأمريكية (كونداليزا رايس) أن تحدد منذ البداية الملامح الرئيسة لتلك الحرب، وذلك عندما كانت ـ حينها ـ مستشارة للأمن القومي الأمريكي؛ إذ قالت في كلمة ألقتها في معهد السلام الأمريكي في صيف 2002م: (لا بد من اتباع أساليب الحرب الباردة نفسها ضد الشيوعية لمواجهة أفكار(الكراهية والموت) في الشرق الأوسط). وهي تتحين الفرص كل فترة لإبداء قناعتها بخطورة تلك الحرب وضَرورة السير فيها إلى النهاية؛ فقد قالت في مقالة لها في صحيفة الواشنطن بوست في ديسمبر 2005: (إننا ضالعون في حرب أفكار أكثر مما نحن منخرطون في حرب «جيوش» ) . وقد صرحت في مناسبة أُخرى بأن الهدف الأكبر للمواجهة الفكرية المزمعة، هو ـ تحديداً ـ الانتصار لفكر (الليبرالية الأمريكية الجديدة) ، حيث قالت: (إن المهمة الأساسية في حرب الأفكار، تتعلق بالترويج للقيم الأمريكية المتمثلة في الحرية والديموقراطية ونظام السوق الحر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت