فهرس الكتاب
إن هذه التصريحات تدل بوضوح، على أن ما تسمى بـ (القيم الغربية) ، النابعة من خلفيات يهودية ونصرانية محرفة، لم تعد تأبه بندٍّ منافس سوى (القيم الإسلامية) الشاملة للمبادئ والسلوك، والمستمدة من الوحي الصحيح والدين القويم؛ حيث أصبحت هذه القيم مع من يحملها، في مواجهة حرب لا هوادة فيها على كل أرض، وفي كل ميدان، وضمن كل مجال، أي (في جهات مختلفة عسكرية واقتصادية وسياسية وفكرية) كما قال بوش في تصريحه المذكور آنفاً.
وقد نص تقرير لجنة التحقيق في أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م على ذلك التوجه، حيث جاء فيه: (إن العدو الرئيسي لأمريكا هو تيار إسلامي راديكالي متطرف، تعود مرجعيته إلى أفكار ابن تيمية وسيد قطب... ولا يوجد مجال للتصالح مع هذا التيار، ولا بد من عزله وتصفيته تماماً، لكن لا بد أولاً من منازلته في ميدان حرب الأفكار من أجل كسب الغالبية المحايدة التي يمكن أن تتحول إلى متعاطفة معه) .
وحتى لا يتبادر إلى أذهان بعضنا أن مقصودهم بـ (التيار الإسلامي الراديكالي) هو التيار القتالي أو المقاوم للهيمنة الغربية والذي يوصم دوماً بـ (الإرهاب) ، فإن على من يتوهم ذلك أن يطالع تقرير مؤسسة الأبحاث الأمريكية (راند) الأخير، الخاص بإنشاء توجهات أو تجمعات تُمثل (الإسلام المعتدل) حيث وضع ذلك التقرير المعايير التي يحدد من خلالها الفرق بين المعتدلين والمتطرفين (3) .
وأهم سمات الاعتدال في نظر من أعدوا التقرير: (القبول بالديمقراطية) وهذا يعني رفض مبدأ الدولة الإسلامية، و (القبول بالمصادر غير المتعصبة في تشريع القوانين) بما يعني إلغاء مصدرية ومرجعية الشريعة، و (نبذ العنف إلا في حالة «الحرب العادلة» ) أي التخلي عن الجهاد والمقاومة، و (احترام حقوق النساء والأقليات) وهو ما يستدعي إحلال المفاهيم الغربية محل الإسلامية فيما يتعلق بالنساء وغير المسلمين.
وقد حدد تقرير لجنة التحقيق في أحداث الحادي عشر من سبتمبر هدفاً جوهرياً من أهداف (حرب الأفكار) عندما نص على أنه (لا بد من منازلة التيار غير المعتدل في ميدان حرب الأفكار من أجل كسب الغالبية المحايدة التي يمكن أن تتحول إلى متعاطفة معه) .
«كسب الغالبية» إذن؛ هو الهدف والرهان الاستراتيجي، للاستيلاء على القلوب والعقول، والوصول إلى ذلك لا يكون إلا عبر تحركات تكتيكية يكون (الدولار) فيها هو الوقود المحرك لأفكارهم والمحرق لأفكار غيرهم، وهذا ما ذهب إليه تقرير مؤسسة راند السابق الصادر في (18/4/2005 ) بعنوان (قلوب وعقول ودولارات) والذي نص على أهمية مزاحمة (العدو) على عقول الناس وقلوبهم، عن طريق تسخير الدولار، في تغيير الأفكار، باتجاه العلمنة والأمركة واللبرلة.
أي باختصار: (تغيير الإسلام) في فهم واعتقاد متبعيه. لهذا فإن الحرب الأمريكية الراهنة على العالم الإسلامي، ستبقى في جوهرها ـ وإن سكنت المدافع ـ حرب أفكار، ولذلك فمن غير المتوقع أن تتوقف بشكل نهائي، أو ترتبط بتغيرات سياسية عندنا أو عندهم، لارتباط تلك الحرب بمعايير رضاهم عنا وعن عقائدنا ومبادئنا وأفكارنا، وهذا الذي لن يحصل، ما دام المسلمون مسلمين، والنصارى نصارى واليهود يهوداً: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120] ، فالمعركة بيننا وبينهم ستظل دائماً معركة على الثوابت، بين ما عندنا من منهج الحق والهدى، وما عندهم من أفكار الغي والهوى.
يأسهم في طيات بأسهم:
الإمكانات التي رصدت ولا تزال ترصد لإدارة (حرب الأفكار) لا تكاد تصدق، ولا ندري كيف صدق الأمريكيون وغيرهم من اليهود والنصارى أنفسهم في أنهم يمكن لهم أن يغيروا ديننا، كما غيروا دينهم؟ ولكن صدق ربنا إذ قال: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [النساء: 89] .
ومن يلاحظ إصرار الأمريكيين وحلفائهم على المضي في حرب الأفكار؛ ربما يظن أنهم يملكون مزيد ثقة فيما عندهم، أما نحن فيقيننا أنهم ليس لديهم من يقين إلا ما يقبع خلف الشك والحقد الدفين: {وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} [الحج: 55] .
لذلك فإنهم حتى وإن دعا بعضهم إلى حوار في بعض الأحيان، فإن حوارهم المقترح هو نفسه جزء من حرب الأفكار؛ إذ ليس لدى أكثرهم وهم يحاوروننا رغبة في الإنصات أو الإنصاف، إنما يستمعون ـ إذا استمعوا ـ لنُخرج ما عندنا كي يُلقوا عليه ما عندهم.