فهرس الكتاب

الصفحة 24559 من 27364

لقد طالَبَ الكاتب الأمريكي الأشهر اليوم في العالم (توماس فريدمان) بما أسماه (حوار الأفكار) بين الولايات المتحدة وبين شعوب العالم العربي والإسلامي، بعد أن لاحظ أن أمريكا تفقد مصداقيتها بشكل مقلق بين تلك الشعوب، ولكن: هل يقصد فريدمان الحوار حقاً؟ إنه مع دعوته «البريئة» للحوار، لم يستطع أن يخفي ما وراءها من مآرب وأسرار؛ فليس إضاعة الأوقات وتمرير المخططات هو فقط المراد من هذا الحوار، وإنما استغلال أرضية الحوار لتأسيس مزيد من الركائز الحامية لمصالح أمريكا وحلفائها وعملائها. ولهذا اشترط أن يلتزم العرب مع أمريكا ـ في ظل ذلك الحوار ـ بثلاثة أمور، وهي:

1 ـ استمرار تزويد أمريكا بالنفط.

2 ـ الحفاظ على انخفاض سقف أسعاره.

3 ـ تحسين المعاملة مع إسرائيل.

وقال: (إذا حصلنا من العرب على هذه الأمور الثلاثة، فلسنا معنيين بشيء من أمورهم حتى ولو كان يتنافى مع الأفكار الأمريكية المعلن)

إن الالتزام العربي الذي يطالب به فريدمان، هو لضمان استمرار قوة وقدرة أمريكا وحليفتها في مقابل ضعفنا وعجزنا، ومع ذلك تظل حرب الأفكار معلنة حتى تحت شعار الحوار.

لقد طالب توماس فريدمان أيضاً في دعوته للحوار، بأن تكثف أمريكا سياسة تغيير الأفكار بين شعوب الشرق الأوسط، واقترح عليها مثلاً أن تمنح خمسين ألف تأشيرة دراسية لطلاب عرب للقدوم إليها، ليكونوا هدفاً للتأثير الفكري المباشر!!

ما هي المهام التي يمكن أن يكلف بها خمسون ألفاً من العملاء الفكريين لأمريكا، إذا عادوا منها وقد رضعوا لَبَنها وأُتخموا بلحمها، وسمنوا بسمومها؟ وهل هذا يسمى حوار أفكار، أم تجنيد أنصار؟!

في إطار المقترحات في (حرب الأفكار) أيضاً، كان مدير الاتصالات في البيت الأبيض (تاكر إسكيو) قد وضع خطة لنشر الأفكار والمفاهيم و (القيم) الأمريكية، كُللت وقتها بتأسيس (قناة الحرة) الأمريكية اللاكنة بالعربية، وكذلك (إذاعة سوا) من أجل مخاطبة العرب بألسنةٍ أمريكية ناطقة بالعربية.

وقد قال (تاكر) عند تأسيسه لهذه الوسائل الحربية الفكرية: (إننا نملك المال، ونملك الخبرة، ونملك الأفكار، ولن يستطيع أحد أن يقف أمامنا) . لكن التجربة أثبتت أن الأمريكيين وإن كانوا يملكون المال والخبرة، فإنهم لا يملكون الحكمة والفكرة، ولذلك ظلت وسائلهم فاشلة، ولم تجذب إلا المجاذيب، ولم تفتن إلا المفتونين الذين يصدقون دعايات أمريكا في مزاعم الحرية والديموقراطية واحترام الإنسان!

إن مئات الملايين من الدولارات التي أُنفقت ولا تزال تُنفق لإطفاء نور الوحي؛ لم تزده إلا وهجاً وضياء؛ فهناك عدد من مراكز الأبحاث المتخصصة في شؤون الشرق الإسلامي المسمى بـ (الشرق الأوسط) مثل مركز (امريكان أنترابرايز) الذي يهيمن عليه المحافظون اليهود الجدد، ومعهد (بروكنجر) ، ومعهد (كارنيجي) ، ومعهد (الشرق الأوسط) الذي يعرِّف منطقة الشرق الأوسط بالأراضي الممتدة من أفغانستان إلى المغرب العربي، وهذه المراكز تُرصَد لها ميزانيات بالملايين سنوياً؛ لأنهم لا ينتظرون منها أرباحاً، إلا إثبات النجاح في اختراق حصوننا، من الداخل أو الخارج!

وقد رُصد لمعهد الشرق الأوسط وحده، ميزانية تصل إلى مليون دولار سنوياً، وهي ميزانية تجيء من أرباح وقفية، وقفتها على ذلك المركز شركات عديدة كبرى مثل: (أرامكو) ، (كوكا كولا) ، (شل) ، (بوينج) ، و (الشركة الكويتية للنفط) ، ويرأس المعهد (إدوارد ووكر) السفير الأمريكي السابق في (تل أبيب) ومصر، لكنَّ نتائج جهود تلك المراكز تعكس حتى الآن الفشل والخيبة والخذلان. وصدق الله: {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ *} [الأنفال: 36] .

? اعترافات الحسرة:

لقد بدؤوا يعترفون بخسارة (حرب الأفكار) مثلما خسروا حرب الحديد والنار، في بقاع عديدة من العالم الإسلامي، وقد اعترف رامسفيلد نفسه ـ مُشعل (حرب الأفكار) ـ في تصريح له في 16 فبراير 2006م، بأن أمريكا تخسر حربها الدعائية والفكرية ضد (المتشددين) الإسلاميين، وأضاف: (ينبغي إيجاد وسائل أخرى بديلة لكسب قلوب وعقول الناس في العالم الإسلامي، حيث نجح المتشددون في تسميم الأفكار عن أمريكا) .

وكذلك أقرَّ تقرير أعدَّته هيئة استشارية تابعة لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) ، أن أمريكا عجزت عن إقناع العالم الإسلامي باستراتيجيتها الدبلوماسية والعسكرية، وهو ما اعتبره التقرير خسارة لما يسمى (حرب الأفكار) ، وقال التقرير الذي قُدم في نوفمبر 2004م: (إنه لا أحد يصدِّق وعود أمريكا عن الحرية والديمقراطية) ، وبين أن تدخلات أمريكا في العديد من بقاع العالم الإسلامي، رفعت من أسهم القوى المناوئة لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت