فهرس الكتاب
6 -يَقَعُ لِكَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ أُمُورٌ مَكْرُوهَةٌ فِي زِيَارَتِهِمْ لِقَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نُشِيرُ إلَى أَهَمِّهَا: 1 - التَّزَاحُمُ عِنْدَ الزِّيَارَةِ , وَذَلِكَ أَمْرٌ لَا مُوجِبَ لَهُ , بَلْ هُوَ خِلَافُ الْأَدَبِ , لَا سِيَّمَا إذَا أَدَّى إلَى زِحَامِ النِّسَاءِ فَإِنَّ الْأَمْرَ شَدِيدٌ . 2 - رَفْعُ الْأَصْوَاتِ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوْ بِالدُّعَاءِ عِنْدَ زِيَارَتِهِ صلى الله عليه وسلم 3 - التَّمَسُّحُ بِقَبْرِهِ الشَّرِيفِ r أَوْ بِشُبَّاكِ حُجْرَتِهِ . أَوْ إلْصَاقُ الظَّهْرِ أَوْ الْبَطْنِ بِجِدَارِ الْقَبْرِ . قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَلَا يُسْتَحَبُّ التَّمَسُّحُ بِحَائِطِ قَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَا تَقْبِيلُهُ , قَالَ أَحْمَدُ: مَا أَعْرِفُ هَذَا . قَالَ الْأَثْرَمُ: رَأَيْت أَهْلَ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يَمَسُّونَ قَبْرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَقُومُونَ مِنْ نَاحِيَةٍ فَيُسَلِّمُونَ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَهَكَذَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ مُنَبِّهًا مُحَذِّرًا: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُطَافَ بِقَبْرِهِ r , وَيُكْرَهُ إلْصَاقُ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ بِجِدَارِ الْقَبْرِ . قَالُوا: وَيُكْرَهُ مَسْحُهُ بِالْيَدِ وَتَقْبِيلُهُ , بَلْ الْأَدَبُ أَنْ يُبْعَدَ مِنْهُ , كَمَا يُبْعَدَ مِنْهُ لَوْ حَضَرَهُ فِي حَيَاتِهِ r هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي قَالَهُ الْعُلَمَاءُ وَأَطْبَقُوا عَلَيْهِ , وَلَا يُغْتَرُّ بِمُخَالَفَةِ كَثِيرِينَ مِنْ الْعَوَّامِ وَفِعْلِهِمْ ذَلِكَ , فَإِنَّ الِاقْتِدَاءَ وَالْعَمَلَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ , وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مُحْدَثَاتِ الْعَوَّام وَغَيْرِهِمْ وَجَهَالَاتِهِمْ . قَالَ صلى الله عليه وسلم { لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا , وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا , وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ } . مَعْنَى الْحَدِيثِ لَا تُعَطِّلُوا الْبُيُوتَ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهَا وَالدُّعَاءُ وَالْقِرَاءَةُ فَتَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْقُبُورِ , فَأَمَرَ بِتَحَرِّي الْعِبَادَةِ بِالْبُيُوتِ وَنَهَى عَنْ تَحَرِّيهَا عِنْدَ الْقُبُورِ , عَكْسَ مَا يَفْعَلُهُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ النَّصَارَى وَمَنْ تَشَبَّهَ بِهِمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ . وَالْعِيدُ اسْمُ مَا يَعُودُ مِنْ الِاجْتِمَاعِ الْعَامِّ عَلَى وَجْهٍ مُعْتَادٍ عَائِدًا مَا يَعُودُ السَّنَةُ أَوْ يَعُودُ الْأُسْبُوعُ أَوْ الشَّهْرُ وَنَحْوُ ذَلِكَ . قَالَ فِي عَوْنِ الْمَعْبُودِ: قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: الْعِيدُ مَا يُعْتَادُ مَجِيئُهُ وَقَصْدُهُ مِنْ زَمَنٍ وَمَكَانٍ مَأْخُوذٍ مِنْ الْمُعَاوَدَةِ وَالِاعْتِيَادِ , فَإِذَا كَانَ اسْمًا لِلْمَكَانِ فَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يُقْصَدُ فِيهِ الِاجْتِمَاعُ وَالِانْتِيَابُ بِالْعِبَادَةِ وَبِغَيْرِهَا كَمَا أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَمِنًى وَمُزْدَلِفَةَ وَعَرَفَةَ وَالْمَشَاعِرَ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى عِيدًا لِلْحُنَفَاءِ وَمَثَابَةً لِلنَّاسِ , كَمَا جَعَلَ أَيَّامَ الْعِيدِ مِنْهَا عِيدًا . وَكَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَعْيَادٌ زَمَانِيَّةٌ وَمَكَانِيَّةٌ فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ أَبْطَلَهَا وَعَوَّضَ الْحُنَفَاءَ مِنْهَا عِيدَ الْفِطْرِ وَعِيدَ النَّحْرِ , كَمَا عَوَّضَهُمْ عَنْ أَعْيَادِ الْمُشْرِكِينَ الْمَكَانِيَّةِ بِكَعْبَةٍ وَمِنًى وَمُزْدَلِفَةَ وَسَائِرِ الْمَشَاعِرِ . قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي فَيْضِ الْقَدِيرِ: مَعْنَاهُ النَّهْيُ عَنْ الِاجْتِمَاعِ لِزِيَارَتِهِ اجْتِمَاعَهُمْ لِلْعِيدِ , إمَّا لِدَفْعِ الْمَشَقَّةِ أَوْ كَرَاهَةِ أَنْ يَتَجَاوَزُوا حَدَّ التَّعْظِيمِ . وَقِيلَ: الْعِيدُ مَا يُعَادُ إلَيْهِ أَيْ لَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا تَعُودُونَ إلَيْهِ مَتَى أَرَدْتُمْ أَنْ تُصَلُّوا عَلَيَّ , فَظَاهِرُهُ مَنْهِيٌّ عَنْ الْمُعَاوَدَةِ وَالْمُرَادُ الْمَنْعُ عَمَّا يُوجِبُهُ , وَهُوَ ظَنُّهُمْ بِأَنَّ دُعَاءَ الْغَائِبِ لَا يَصِلُ إلَيْهِ , وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: { وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ } أَيْ لَا تَتَكَلَّفُوا الْمُعَاوَدَةَ إلَيَّ فَقَدْ اسْتَغْنَيْتُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيَّ . قَالَ الْمُنَاوِيُّ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ اجْتِمَاعَ الْعَامَّةِ فِي بَعْضِ أَضْرِحَةِ الْأَوْلِيَاءِ فِي يَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ مَخْصُوصٍ مِنْ السَّنَةِ وَيَقُولُونَ: هَذَا يَوْمُ مَوْلِدِ الشَّيْخِ , وَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَرُبَّمَا يَرْقُصُونَ فِيهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا ,