فهرس الكتاب

الصفحة 24839 من 27364

وقد توفي صلى الله عليه وسلم ، ومضى على وفاته السنوات العديدة ، والصحابة رضي الله عنهم يرحلون ويرتحلون إلى مسجده ، ولم يرد على لسان أحدهم من بعيد ولا من قريب قال: أقصد زيارة صلى الله عليه وسلم ! ، وإنما كانوا يزورون قبره لمكانت صلى الله عليه وسلم إذا صلّوا في مسجده ، ولهذا استجب العلماء زيارة قبره لمن قدم إلى المدينة للصلاة في مسجده ، مع منعهم المواظبة على ذلك ، وقد صح عن صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا تجعلوا قبري عيداً ) وثبت عن الإمام مالك بن أنس أنه أنكر ذلك جداً ، فلا يختلط على أحد منع أهل العلم للسفر إلى زيارة القبر مع إقرارهم زيارة القبر لمن قدم المدينة ، وذلك لأن صلى الله عليه وسلم نهي أن تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد وهي المسجد الحرام والمسجد الأقصى والمسجد النبوي الشريف .

وأنقل كلاماً حسناً للحافظ ابن عبدالهادي في كتابه ( الصارم المنكي: 82 ) حيث يقول: ( فالذي يقصد مجرد القبر ولا يقصد المسجد مخالف للحديث فإنه ثبت عنه في الصحيح أن السفر إلى مسجده مستحب وأن الصلاة فيه بألف صلاة ، واتفق المسلمون على ذلك ، وعلى أن مسجده أفضل المساجد بعد المسجد الحرام ، ومسجده يستحب السفر إليه ، والصلاة فيه مفضّلة لخصوص كونه مسجد الرسو صلى الله عليه وسلم بناه هو وأصحابه ، وكان يصلي فيه هو وأصحابه ، فهذه الفضيلة ثابتة للمسجد في حياة الرسو صلى الله عليه وسلم قبل أن يدفن في حجرة عائشة ، كذلك هي ثابتة بعد موته ، ليست فضيلة المسجد لأجل مجاورة القبر ، كما أن المسجد الحرام مفضل لا لأجل قبر ، وكذلك المسجد الأقصى مفضّل لا لأجل قبر ، فمن ظن أن فضيلته لأجل القبر ، وأنه مستحب السفر إليه لأجل القبر فهو جاهل مفرط في الجهل مخالف لإجماع المسلمين .. ) إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى .

والغلو في القبور أوصل البعض إلى الإشراك بالله تعالى ، وصرف شيئاً من أنواع العبادة لها من تقديم القرابين ، والذبح ، والنذر لها ، والاستغاثة بأصحابها ، وطلب قضاء الحوائج منهم ، والاستشفاع بهم ، وهذا كله من الشرك بالله تعالى والعياذ بالله .

والموطن الثاني: قوله: ( والفرق بيننا وبين من يخالفنا أنه لما تمكن استعلى !! ) إلى أن أنشد: ( فلما ملكنا كان العفو منا سجية *** ولما ملكتم سالت بالدماء الأباطح !! ) .

فيقال: وهذا كلام مخالف للواقع ، فإن القائمين على شؤون الحرمين ، علماء أفاضل ، وأهل فقه وديانة ، ولم يحصل منهم علو ولا استعلاء ، بل يرشدون الناس بالرفق واللين ، ويحذرونهم من البدع والخرافات ، ومن التصرفات المحرمة عند قبر صلى الله عليه وسلم ، وهذا من سياسة هذه الدولة المباركة منذ عهد الملك عبدالعزيز رحمه الله تعالى ، فقد كان الناس قبل مقدمه ، وتوليه زمام الحكم يعيشون في بدع وخرافات ، وتعلّق بالقبور ، مع الفرقة والخلاف حتى في فروع الدين ، بل مع الصد عن حج بيت الله الحرام ! ، وسفك دماء الموحدين ، فلما تولى الحكم ، جمع الناس على إمام واحد ، وأنكر كل مظاهر الشرك والبدعة ، وسد ذرائع الشرك ، وأسباب الخلاف ، ودعي الناس للحج كافة ، فما قصد البيت آمن من قبل كمثل الناس بعد حكم آل سعود حفظهم الله تعالى .

فأين الاستعلاء الذي يقصده الشيخ الجفري ؟! .

الموطن الثالث: قوله: ( أن مكة ما ذكرت بالشرف إلاّ لأن صلى الله عليه وسلم كان حالاً فيها وقرؤوا القرآن الكريم ) لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ) (البلد:1-2) فكيف بالمدينة التي عاش فيها ... ) .

فيقال: وهذا الكلام غير صحيح قطعاً ، فإن فضيلة مكة كانت من قبل أن يخلق صلى الله عليه وسلم بنصّ كلام الله تعالى وبنصّ كلامه عليه الصلاة والسلام ، قال الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (البقرة:126) .

وقال تعالى: ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (البقرة:125) ، فهو مثابة للناس وأمناً قبل أن يطأها رسولنا صلى الله عليه وسلم

وقال تعالى: ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (ابراهيم:37) ، فهو بيت محرم قبل أن تطأه قدم صلى الله عليه وسلم وقبل أن يخلق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت