لقد سُوِّدت الصحفُ مُؤخراً برديء الكلامِ ، وسيلٍ مِنَ التهمِ، ومحاولاتِ الانتقامِ والتصيّدِ، وكلُّ مَنْ انحرفَ عَنِ الصراطِ المستقيمِ أثقلَ كاهلَ أمتِهِ بالرزايا والخطايا، فالحداثيون حين اختلفوا معَ ثوابتِ الحضارةِ وهَمَّشُوها، تحولوا إلى هَدامين ودعاةِ سوءٍ في الأفكارِ والأخلاقِ، والثوريون حينَ تهيأتْ لهم الأسبابُ طافوا بقومِهم على سقطِ الحضاراتِ، والمتابعُ لمُعطياتِ الفكرِ السياسيِ الإسلاميِ يجدُه جماعَ الخيرِ كلِه ، فلا هو حفيٌ بعنفِ الثوريين ولا بمداهنةِ المُتزلفِين.
هكذا قال الدكتور الهويمل في أحدِ مقالاتِه النقديةِ للواقعِ، (د. حسن الهويمل، مقال بعنوان: أيها المستجيبون والممانعون عقلنوا خطابكم، الجزيرة 25/1/1425هـ) .
أيها الأخوة المسلمون:
لقد بُلينا مِنْ قبلُ - وظهرتِ البلوى أكثرَ في هذهِ الأيامِ- بدهاقنةٍ للعلمنةِ والتغريبِ، يطرحون غريبَ القولِ بلا خوفٍ ، ولا ترددٍ، ولا حياءٍ ، وفي طروحاتِهم طوامٌ ومقحماتٌ (وقد سبق الحديثُ عن هؤلاء) .
وثَمَّةَ أُغَيْلِمَةٌ بدأت تقحمُ المُهْلِكَاتِ، وتَتَسلَّقُ جُدرَ المُسَلَّماتِ ، وتَرمِي بشررِها الأكابرَ مِنَ العلماءِ، تَلمزُ هذا... وتَتَّهمُ ذاك، وتَنسبُ إلى بعضِهم زُوراً وبهتاناً رديءَ القولِ... وترميهم بقبيحِ التُّهمِ، وتتجرأُ على الفتوى، وتُبيحُ لنفسِها الاجتهادَ، وتعاظمتْ في نقدِهَا حتَّى لم تُبقِ ولم تَذرْ، وآخرون شبابٌ أخيارٌ ، وإنْ كانوا قلةً لكنْ جَنحتْ بهم القراءةُ إلى مواقعَ الهوى ، ومصايدَ الشيطانِ، بدؤوا مُبَكِّرين - ودونَ مَناعةٍ تُذكَرُ- في قراءةِ كتبِ فلسفيةٍ قديمةٍ ، تُغرِقُ في الجدلِ، وتُهمِّشُ النصَّ الشرعيَّ، وتُعظِّمُ العقلَ... أو كتاباتٍ حديثةٍ تَنطوِيْ على العَصْرَنَةِ أو العلمنةِ والتغريبِ، وتَتَّخِذُ مِنَ الجدلِ وسيلةً لإسقاطِ الثوابتِ، وتَهْميشِ الحقائقِ ، والتشكيكِ في المُسَلَّماتِ... وكانتْ حصيلتُهم منها قلقاً ، وشكاً، وحيرةً ، وانقطاعاً، وضعفاً في الإيمانياتِ، وهشاشةً في السلوكياتِ، وكان لهؤلاءِ الشبابِ ولا يزالُ مندوحةٌ عنها بكتبِ سليمةِ المنهجِ تُعمّقُ الإيمانَ، وترسخُ العلمَ الشرعيَّ، وتُنيرُ السبيلَ ، وتَهدي للتي هي أقومُ ... وهذهِ الفئةُ وإنْ قلتْ - أخشى إنْ طال مسارُها في هذا الطريقِ أنْ تكونَ إشكاليةَ المستقبلِ... ومعوقاً عَنِ الإنتاجيةِ والبذلِ حِينَ تُشغلَ نفسَها أو غيرَها في الجدلِ... وتُعنى بالنقدِ لكلِّ شيءٍ... ولكلِّ أحدٍ! نعم إنَّ النقدَ الهادفَ سيبلٌ للتطويرِ والإصلاحِ... ولكن الجدلَ ما أُوتيَهُ قومٌ إلا ضَلُّوا، وفرقٌ بينَ مَنْ يُمارسُ العطاءَ والبذلَ مع النقدِ، وبينَ مَنْ هو حفيٌ بالنقدِ ، مولعٌ بالجدلِ ليس إلا.
إنَّه حقٌ على الأغيارِ ورُبَّانِ السفينةِ ، ورجالِ التربيةِ، وقادةِ الفكرِ، وأهلِ الذكرِ أنْ يَتهيَّئُوا لهذهِ المخاطرِ... وأنْ يسارعوا لعلاجِ هذه الظواهرِ... فالمسلمون نصَحةٌ، ومِنَ جُملِ الإيمانِ أنْ يُحبَّ المرءُ لأخيهِ ما يُحبُّهُ لنفسِه، وينبغي أنْ تُحفظَ الطاقاتُ وتُوجَّهَ الملكاتُ.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ) (سورة التوبة:71) .
الخطبة الثانية
أيها المسلمون:
وما لم يُصلحِ المُفسدون ما أفسدوا أو يَتدخلْ ولاةُ الأمرِ مِنَ الأمراءِ والعلماءِ في وضعٍ حدٍ لهذه الطروحات الفَجَّةِ، والمهاتراتِ المُفرقةِ - فسيَصطلي المجتمعُ بنارِها- وإنَّ أيةَ أمةٍ يتوفرُ لها أمنٌ وافرٌ، واستقامةٌ راشدةٌ، ورخاءٌ ونعمة ثمّ لم تكن شاكرةً لهذه النعمِ، قائمةً بحقوقِها، مجاهدةً لمن ينالُ منها آطرةً للسفهاءِ .. انقلب الأمنُ خوفاً والاستقامةُ انحرافاً، والرخاءُ فقراً، وفي أمثلةِ القرآنِ عبرةٌ لمن اعتبر (( وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ) ) (سورة النحل:112) .
إنَّ الانحرافَ الفكريَّ (قديم لمن تأمّل حلقاتِ التاريخِ ) وطالما كان لأساطينِ الاعتزالِ ، والرفضِ،والمتصوفةِ، وأمثالِهم دورٌ وأثرٌ... وكان لأئمةِ السلفِ ، وأصحابِ الدعوة ، دورٌ وأثر ٌحتى نفع اللهُ بعلمِهم وجهادِهم، فعاد شاردون... ، وهدى اللهُ مِنَ الضلالةِ قوماً كانوا عَمِيْنَ... وبلغ الحالُ ببعضِهم أنْ قال:
وكنتُ جنداً من جنود إبليس حتى ارتمى بي الدهرُ فصار إبليسُ من جندي
وكلُّ مَنْ لم يعتصم بالكتابِ والسُنَّةِ ، وما عليه سلفُ الأمةِ فمآلُه الحيرةُ ، والاضطرابُ ، وتجربةُ الرازي واضحةٌ حين يقولُ:
نهايةُ أقدام العقولِ عِقالٌ وأكثرُ سعيِ العالمين ظلالٌ