* فلما كان في الشهر الخامس دخل علي رجل حسنه مُكمَّل، ووجهه مُجمَّل، وهو يشير بيده إلى فؤادي ويقول: السلام عليك يا زين المرسلين. السلام عليك يا إمام المتقين. قلت له سيدي من أنت؟ قال أنا نبي الله هود. قلت وما تريد يا هود. قال: أبشري يا آمنة فقد حلت بالنبي المسعود.
* فلما كان في الشهر السادس دخل علي رجل جليل المقدار كثير الأنوار وهو يشير بيده إلى فؤادي ويقول: السلام عليك يا بغية المطلوب. فقلت له سيدي من أنت؟ قال أنا إبراهيم قلت: ما تريد يا إبراهيم: فقد حملت بالنبي الجليل والرسولل الفضيل. ثم انصرف.
* فلما كان في الشهر السابع دخل رجل أملح ووجهه من البدر أصبح وهو يشير إلى فؤادي ويقول: السلام عليك يا صفوة الإله، السلام عليك يا عظيم الجاه، فقلت له: سيدي من أنت؟ قال: أنا أبوه إسماعيل الذبيح. فقلت له سيدي وما تريد؟ قال أبشري يا آمنة فقد حملت بالنبي المليح. صاحب النسب الصحيح واللسان الفصيح. ثم انصرف.
* فلما كان في الشهر الثامن دخل رجل طويل القامة مليح الهامة وهو يشير إلى فؤادي ويقول: السلام عليك يا إمام الأبرار، السلام عليك يا حبيب الملك الجبار، فقلت له: سيدي من أنت؟ قال: أنا موسى بن عمران. قلت وما تريد يا موسى؟ قال: أبشري يا آمنة. فقد حملت بنزل عليه القرآن. ويكلمه الرحمن. ثم انصرف [المولد النبوي 10-11] .
* فلما كان في الشهر التاسع دخل علي رجل لابس الصوف، وهو بالبادة موصوف. فأشار بيده إلى فؤادي ويقول: السلام عليك يا زين الخلائق. فقلت له: سيدي من أنت؟ قال: أنا عيسى بن مريم. فقلت وما تريد يا عيسى؟ قال أبشري يا آمنة: فقد حملت بالنبي الأكرم. وفي هذا الشهر تضعين محمداً صلى الله عليه وسلم
* قالت آمنة: وبقيت في المنزل وحيدة، إذ سمعتُ حركةً بين السماء والأرض. ورأيت ملكاً عظيماً بيده ثلاثة أعلام. فنشر الأول على مشرق الأرض. والثاني على مغربها. والثالث على البيت الحرام. فنظرت إلى ركن المنزل وقد ظهر منه أربع نساء، طوال كأنهن الأقمار. متزرات. فقلت لهن من أنتن: فقالت الأولى: أنا مريم بنت عمران. والتي على يسارك سارة. والتي تناديك من خلفك هاجر أم إسماعيل الذبيح [كأني بهذه الرواية دسيسة يهودية جعلت هاجر من الخلف لأنهم يزدرونها ويصفونها بأم إسماعيل الوحشي] والتي أماك آسيا بنت مزاحم امرأة فرعون. فتقدمت الأولى وقالت: أبشري يا آمنة، من مثلك وقد حملت بسيد أهل الأرض والسماء. ثم جلست بين يدي وقالت: ألق بنفسك علي وميلي بكليتك إلي [ص 12-13] .
قالت آمنة: وفي تلك الساعة رأيت الشهب تتطاير يميناً وشمالاً، ورأيت المنزل قد اعتكر عليّ بأصوات مشتبهات، ولغات مختلفات، فأوحى الله تعالى إلى رضوان: يا رضوان زيِّن الجِنان، واهتز العرش طرباً، ومال الكرسي عجباً، وتجلى الملك الديان من غير حركة ولا انتقال [أيعقل أن تنزه آمنة ربها عن الحركة كأنها كانت خبيرة بمذهب آرسطو؟ ثم يتحدث ابنها r عن علو الله ونزوله ومجيئه من غير أن ينزهه عن الحركة والانتقال؟] .
ثم إن الله تعالى أوحى إلى جبريل أن صُفَّ أقداح راح الشراب [انظر كيف يفترون على الله الكذب. لمن يُوزع الشراب أعلى الملائكة الذي لا يأكلون ولا يشربون أم على أهل الأرض؟] وانشر نوافح المسك الذكية، وعطِّرِ الكونَ بالروائح الطيبة الزكية، وافرش سجادة القرب، وقيل يا مالك أغلق أبواب النيران، وصفِّدِ الشياطين.
قالت آمنة: ولم يأخذني ما يأخذ النساء من الطلق، إلا أني أعرق عرقاً شديداً، كالمسك الأذفر لم أعهده قبل ذلك من نفسي، فشكوتُ العطش، فإذا يملك ناولني شربة من الفضة البيضاء، فيها شراب أحلى من العسل، فشربتها، فأضاء علي منها نور عظيم. فبينما أنا كذلك، إذا أنا بطائر عظيم أبيض قد دخل علي وأمرَّ بجانبه جناحيه على بطني، وقال: انزل يا نبي الله صلى الله عليه وسلم فأعانني عالم الغيب والشهادة على تسهيل الولادة، فوضعت الحبيب محمداً [المولد النبوي ص 16-17] . فلما خرج مني خرج معه نور أضاء له المشرق والمغرب. وولد r مكحولاً مدهوناً مسروراً مختوناً.
وحين وُلِدَ سارَعتْ إلى طلعته المباركة ثلاثة من الملائكة. مع أحدهم طسط من الذهب، ومع الثاني إبريق من الذهب، ومع الثالث منديل من السندس الأخضر.
* قالت آمنة بنت وهب: فلما وضعت رسول ا صلى الله عليه وسلم رأيته رافعاً رأسه إلى السماء، مشيراً بأصبعه، فاحتمله جبريل وطارت به الملائكة. ولفَّه ميكائيلُ في ثوب أبيض من الجنة وأعطاه إلى رضوان [الملك] يزُقُّهُ كما يزقُّ الطيرُ فرخَه. فقال له رضوان: يكفيك يا حبيب الله فما بقي لنبي علم وحلم إلا أوتيتَه. وإذا منادٍ ينادي: طوفوا به مشارق الأرض ومغاربها. وأعرضوه على موارد الأنبياء. وأعطوه صفوة آدم [ذكر قبل ذلك أنه أعطي صفوة الله. وها هو يذكر الآن أنهم أعطوه صفوة آدم] .
فقالت الطير نحن نكفله، وقالت الملائكة: نحن أحق به. وقالت الوحوش: نحن نرضعه. قال الله: أنا أولى بحبيبي ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم فإني قد كتبت أن لا ترضعه إلا أمتي حليمة [ص 20] فأدارته إلى ثديها الأيسر فامتنع إلهاماً من الله تعالى وتحريكاً كأنه قد علم أن له في ذلك شريكاً [المولد النبوي 19-22] .