فهرس الكتاب

الصفحة 25086 من 27364

وهؤلاء ما أرادوا بروايتهم هذا الحديث العمل به، وإنما أرادوا التشغيب وضرب حديث مسلم به، وإلا فلا نعهدهم يعتبرون الثلاثة واحداً لمن طلق ثلاثة ونوى واحدة. ثم إن الطلاق هزله جد، ومن تلفظ بالثلاثة ونوى بها واحدة وجب على من يعتبرها ثلاثة أن يلزمه بالثلاثة عقوبة له. كما أن من تلفظ بالطلاق ونوى عدمه لا يقبلون منه النية وإنما يلزمونه بما تلفظ به.

قال ابن عباس رضي الله عنه"كان الطلاق على عهد رسول ا صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم في أناة، فلو أمضيناه عليهم. فأمضاه عليهم"وفي رواية لمسلم أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم أنما كانت الثلاث تُجعَلُ واحدة على عهد صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وثلاثاً من إمارة عمر؟ فقال ابن عباس: نعم (قد كان ذلك) " (2) ."

فانظر كيف قدموا هنا فعل عمر الموقوف على المرفوع، بينما قدموا المرفوع على موقوف أبي هريرة لما قال للمتطيبة"آلمسجد تريدين يا أمة الجبار". فتارة يقدمون فعل الصحابي على فعل رسول ا صلى الله عليه وسلم وتارة يعكسونها!

قال ابن تيمية بعد ذكر هذين الحديثين"ولم يثبت عن صلى الله عليه وسلم خلاف هذه السنة بل ما يخالفها إما أنه ضعيف، بل مرجوح. وإما أنه صحيح لا يدل على خلاف ذلك"وقال"ولا نعرف أحداً طلق على عهد صلى الله عليه وسلم امرأته ثلاثاً بكلمة واحدة فألزمه صلى الله عليه وسلم بالثلاث ولا روي في ذلك حديث صحيح ولا حسن، ولا نقل أهل الكتب المعتمد عليها في ذلك شيئاً. بل رويت في ذلك أحاديث كلها ضعيفة باتفاق علماء الحديث؛ بل موضوعة" (3) .

الإجماع منعقد على أن الثلاث واحدة

وبهذا يبطل قول من زعم أن ابن تيمية خالف بهذه الفتوى الإجماع من الخلف والسلف. فإن الإجماع قد انعقد في عهد رسول ا صلى الله عليه وسلم وخلافة أبي بكر وسنتين من خلافة عمر على أن طلاق الثلاث واحدة كما نص عليه ابن عباس رضي الله عنهما.

فما يفيد ذلك؟ أليس يفيد إجماعاً؟

أما الموقف الآخر الذي اتخذه عمر فإنه اتخذه مع علمه بأن طلاق الثلاث واحدة في عهد صلى الله عليه وسلم بل وعمله به لسنتين، وإنما اتخذه لمصلحة طارئة رآها، ومع ذلك فل ينعقد بين الصحابة على ذلك. وما أكثر المسائل التي يظن الناس أنها مجمعٌ عليها بينما ليست كذلك.

وقد استنكر العلامة الآلوسي بشدة ادّعاء عبد الغني النابلسي أنه رأى صلى الله عليه وسلم فسأله عن المطلقة بالثلاث في المجلس الواحد"كيف حكمه عندك يا رسول الله؟ فقال:"تقع ثلاثاً" (1) ! مع أن الثابت عن صلى الله عليه وسلم من الأحاديث عكس ذلك. وهذا جرياً على عادة الصوفية في حسم المسائل المتازع عليها بكشوفات ومنامات يُحلّون بها في عالم المنام ما ثبت تحريمه في عالم اليقظة."

موقف الحبشي من هذا الحديث

وقد نقض الحبشي هذا الحديث (1) وأقترح لإبطال العمل به: عدة مقترحات:

1ـ أن يقال بأنه لا يجوز العمل بظاهره. ولست أدري ما يمنعه بعد هذا أن يقول"لا يجوز العمل به"!

2ـ أنه يمكن معارضة الحديث بإجماع الصحابة على العمل بخلافه بعد موت صلى الله عليه وسلم وكأن الإجماع يُقدَّم على قول صلى الله عليه وسلم وأفعاله. وإن كان كذلك فلماذا تمسكتم بحديث الأعمى وتجاهلتم إجماع الصحابة على ترك التوسل بالرسو صلى الله عليه وسلم والتوسل مكانه بالعباس. فقد توسل عمر بالعباس على مرأى الصحابة جميعاً ولم ينكر أحد منهم عليه، فلماذا لا تتركون التوسل بالموتى وتحمون بنسخ الإجماع لحديث الأعمى؟!.

وكيف وأن هذا الإجماع المزعوم في مسألة الطلاق لم ينعقد. فقد عمل جماعة من الصحابة كابن عباس والزبير بن العوّام وعبد الرحمن بن عوف بمقتضى الفتوى النبوية كما حكاه ابن وضّاح وأفتى به علي بن أبي طالب وابن مسعود، ومن التابعين ابن المسيب وجماعة من التابعين والفقهاء كما ذكر الألوسي في تفسير روح المعاني. وهو معتمد المحاكم الشرعية في أكثر البلاد الإسلامية. أولم يكفهم أنه كان معتمداً عند رسول ا صلى الله عليه وسلم وخلافة أبي بكر؟!

3ـ أن يقال إن الحديث ضعيف بالشذوذ. وهذا تلبيس فإن الشذوذ في رواية (عارم) كما عند أبي داود والنسائي والدارقطني، أما رواية مسلم والبيهقي فليست شاذة. ولذا لم تتضمن زيادة (قبل أن يدخل بها) .

4ـ أن يقال إن الحديث مؤوّل بأن معنى (كان الطلاق طلاق الثلاث واحداً) أن البتة كانت تستعمل للطلاق الواحد للتأكيد ثم صار الناس يستعملونها في خلافة عمر بصد الثلاث فأجرى عليهم عمر الحكم على موجب قصدهم.

وهذا التأويل مردود. ثم إن هذه التأويلات المعتادة ليست بأعظم من تأويلاتهم لصفات الله وقولهم على الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. ويبطل التأويلَ قولُ عمر (قد استعجلوا) وقد رأى وقف العمل لمصلحة راجحة عنده وهو تعزير الناس وتأديبهم، وذلك مثل تعطيله حد السرقة عند الرمادة وإقرار الصحابة له على ذلك.

قال الألباني"وهل يجوز مع هذا كله أن يُترّك الحُكمُ المُحكَم الذي أجمع عليه المسلمون في خلافة أبي بكر وأول خلافة عمر من أجل رأي بدا لعمر واجتهد فيه: فيؤخَذُ باجتهاده ويُترَك حكمُه الذي حكَمَ هو به أول خلافته تَبَعاً لرسول ا صلى الله عليه وسلم وأبي بكر؟!"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت