فهرس الكتاب
اللهم إن هذا لمن عجائب ما وقع في الفقه الإسلامي، فرجوعاً إلى السنّة المُحكَمة أيها العلماء، لا سيما وقد كثرَتْ حوادث الطلاق في هذا الزمان كثرة مدهشة تُنذِر بِشرٍّ مستطير تُصابُ به مئات العائلات" (1) ."
المفاسد المترتبة على توسيع الطلاق
وقد أوضح ابن تيمية المفاسد التي ترتبت على توسيع باب الطلاق، فقال:
"ومن تدبر نصوص الكتاب والسنة وجدها مفسرة لأمر النكاح، لا يشترط فيها ما تشترطه طائفة من الفقهاء".
كما اشترط بعضهم: ألا يكون إلا بلفظ الإنكاح والتزويج.
واشترط بعضهم: أن يكون بالعربية.
واشترط هؤلاء وآخرون: ألا يكون إلا بحضرة شاهدين، ومع هذا فقد صححوا النكاح مع نفي المهر. ثم صاروا طائفتين: طائفة تصحح نكاح الشغار، لأنه لا مفسد له إلا نفي المهر، وذلك ليس بمفسد عندهم. وطائفة: تبطله، وتعلل ذلك بعللٍ فاسدة.
ثم صححوا"نكاح المحلل" (2) .
"فكان قول أهل الحديث وأهل المدينة الذين لم يشترطوا لفظاً معيناً في النكاح، ولا إشهاد شاهدين مع إعلانه وإظهاره، وأبطلوا نكاح الشغار، وكل نكاح فيه نفى فيه المهر، وأبطلوا نكاح المحلل … أشبه بالكتاب والسنة وآثار الصحابة".
"ثم إن كثيراً من أهل الرأي الحجازي والعراقي وسّعوا"باب الطلاق"فأوقعوا طلاق السكران، والطلاق المحلوف به، وأوقع هؤلاء طلاق المكره، وهؤلاء طلاق المشكوك فيه فيما حلف به، وجعلوا الفُرقة البائنة طلاقاً محسوباً من الثلاث إلى أمور أخرى، ووسّعوا بها الطلاق الذي يحرّم الحلال، وضيّقوا النكاح الحلال. ثم لما وسّعوا الطلاق صار هؤلاء يوسّعون في عود المرأة إلى زوجها، وهؤلاء لا سبيل عندهم إلى ردها. فكان هؤلاء في آصارٍ وأغلال. وهؤلاء في خداع واحتيال".
"ومن تأمل الكتاب والسنة وآثار الصحابة تبين له أن الله أغنى عن هذا، وأن الله بعث محمداً بالحنيفية السمحة التي أمر فيها بالمعروف ونهى عن المنكر، وأحلّ الطيبات وحرّم الخبائث" (1) .
وقال أيضاً: ولكن بعض علمائنا لما ظنوا أن من الإيمان ما لا مخرج لصاحبه منه، بل يلزمه ما التزمه. فظنوا أن شرعنا في هذا الموضع كشرع بني إسرائيل: احتاجوا إلى الاحتيال في الأيْمَان: إما في لفظ اليمين، وإما بخلع اليمين، وإما بدور الطلاق، وإما بجعل النكاح فاسداً فلا يقع فيه الطلاق.
وإن غُلِبوا عن هذا كله دخلوا في"التحليل"وذلك لعدم العلم بما بعث الله بهمحمدا صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع من الحنيفية السمحة، وما وضع الله به الآصار والأغلال. كما قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ 156 الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف157] ..
وصار ما شرعه النبي لأمته هو الحق في نفس الأمر. وما أحدث غيرُه غايته: أن يكون بمنزلة شرع من قبله من شرعه، وإن كان الذين قالوه باجتهادهم لهم سعىٌ مشكور وعمل مبرور. وهم مأجورون على ذلك مثابون عليه.
ولهذا أذاعوا ما دلّ عليه الكتاب والسنة على تلك الطريقة التي تتضمن من لزوم ما يبغضه الله ورسوله: من القطيعة والفرقة وتشتيت الشمل، وتخريب الديار، وما يحبه الشيطان والسحرة من التفريق بين الزوجين، وما يظهر فيها من الفساد لكل عاقل.
ثم إما أن يلتزموا هذا الشر العظيم، ويدخلوا في الآصال والأغلال. وإما أن يدخلوا في منكرات أهل الاحتيال. فالطرق ثلاثة:
* إما الطريقة الشرعية المحضة الموافقة للكتاب والسنة، وهي طريقة أفاضل السابقين الأولين، وتابعيهم بإحسان.
* وإما طريقة"الآصار والأغلال".
* وإما طريقة"المكر والاحتيال".
ـ ومن صور التحايل (التجحيش) ويتم بقصد إرجاع المرأة التي طلقها زوجها إليه عن طريق زواج صوري شكلي يرضى أحد الوسطاء لنفسه أن يكون تيساً مستعاراً ويفتي بعض مشايخ السوء بجواز استعارته منهم الباجوري في حاشيته (1) . قال رسول ا صلى الله عليه وسلم"ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا بلى يا رسول الله. قال"هو المحلِّلُ والمُحَلَّل له" (2) وهو رجوع إلى متعة الشيعة."
وكان الأولى بالحبشي وأتباعه أن يوسعوا على الخلق وأن لا يحرموا على الناس ما فعله صلى الله عليه وسلم مما اضطرهم إلى التجحيش الذي لا علاقة شرعية فيه بين المطلقة من الأول وبين التيس المستعار فإن الحيلة لا تجعل المحرم مباحاً ولا تقبل الحلال حراماً.
وإنما هي علاقة زنا ورجوع إلى الزوج الأول غير مشروع وإنما هو زنا لأنها بانت منه، ولم تنكح زوجاً غيره في الحقيقة كما قال تعالى {فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} وإنما زنت بتيسٍ غيره.
حول تطبيق الشريعة
إن هذا التحليل الذي وصف صلى الله عليه وسلم فاعله بالتيس المستعار صار وصمة عار في جبين الشريعة الإسلامية وموضع تهكم أعداء الدين.