فهرس الكتاب
1ـ إمَّا أن يصاب أصحابه بتبلّد الإحساس فيختاروا قولاً ، يبقون عليه إلى أن يُقْبَضُوا مع تعصب مقيت ، وهوى متَّبع.
2ـ وإمَّا أن يصطدموا بما لا طاقة لعقولهم به فيردُّوا الشريعة جملة وتفصيلاً.
3ـ وإمّا أن يصاب أصحابه بالارتحال الفكري ، والتجوال بين عقول البشر ، ومناهج الفلاسفة أو المفكرين العصريين ، فيعانوا من الدُّوار مع القلق الفكري ، وتغلب عليهم الحيرة والاضطراب المنهجي ـ عياذاً بالله من ذلك ـ وقد ابتلي بعض من سار على هذا المنهج بذلك مثل:الفخر الرازي ، والشهرستاني، والجويني، والكرابيسي،والخونجي، وشمس الدين الخسروشاهي ، وابن واصل الحموي ، والآمدي ، وإبراهيم الجعبري ، وغيرهم ، وإن كان بعض هؤلاء قد منَّ الله عليهم بالرجوع لمنهج أهل السنة والجماعة قبل وفاتهم ـ ولله الحمد والمنَّة ـ.
وحين جاء رجل للإمام مالك يقال له أبو الجويرية ـ متَّهم بالإرجاء ـ فقال له:اسمع منِّي،فقال مالك:احذر أن أشهد عليك . فقال هذا الرجل:والله ما أريد إلَّا الحق ،فإن كان صواباً ، فقل به ، أو فتكلَّم . فقال مالك:فإن غلبتني . فقال الرجل:اِتَّبِعْني.فقال مالك:فإن غلبتك ، قال:اتَّبعتك .فقال مالك:فإن جاء رجل فكلَّمنا، فغلبنا؟قال:اتَّبعناه.فقال مالك:يا هذا ، إنَّ الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بدين واحد ، وأراك تتنقل!!) (سير أعلام النبلاء 8/99ـ106) (الفتوى الحموية الكبرى/ ص277) ولا يعني ذلك بحال ألاَّ يتطلب المسلم الحق ويبحث عنه ، فإنَّ هذا الأمر غير ذاك،والفارق بينهما أن من يريد تتبع الحق في أصول الإسلام وقضاياه الكلية يرجع إلى كتاب الله ، وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم فيستقي منهما الحقَّ والصواب،على طريقة علماء أهل السنَّة والجماعة، ومنهجيَّتهم في الاستدلال.
فصل
حتى لا نقع في الانحرافات
صفة متَّبع الحق أنه يدور مع الأدلة الشرعية حيث تدور،فهمُّه التسليم لكلام الله ورسوله ؛ لأنه عابدٌ لله ، ولا يكون العبد مسلماً لله إلا إذا ابتعد عن هواه وسلَّم عقله ونفسه لحكم الله وأمره ، أمَّا من يريد تتبع الحق لأقوال من عرفوا بالزيغ والهوى،فإنَّه قلَّ أن يصل للمنهج الإسلامي الصحيح ، ومن دلائل معرفة هؤلاء أنَّهم يبعدون النجعة كثيراً عن الأدلة الشرعية،ولا يتحاكمون إلاَّ إلى عقولهم ومن ثمَّ يختارون من الشريعة ما يوافق هواهم ، بل لو قيل لبعضهم: إنَّ هذا القول خطأ والدليل عليه من كتاب الله كذا وكذا ، لضجُّوا وأكثروا وقالوا أنت رجل مماحك ؛ فما أشبههم بقوله تعالى: (وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون) نسأل الله العافية والسلامة!
ومن هنا يلزم كلِّ متبع لمنهج أهل السنة أن يكون فكره مبنيَّاً على كتاب الله وسنة رسول الله بالفهم المنضبط على منهج أهل السنة والجماعة ، خشية الوقوع في الشبهات ووصولها إلى ذهنه، ومن ثمَّ صعوبة الانفكاك عنها، حيث ترسَّخت في العقل ، ولعلَّ هذا يفسِّر لنا ما ذكره الإمام أبو بكر بن العربي عن أبي حامد الغزالي ـ رحمهما الله ـ حيث إنَّه من المعلوم أنَّ الإمام الغزالي تنقل في عدة أطوار عقدية ومنهجية من اعتزالية فلسفيَّة، فكُلاَّبيَّة ، فصوفية ، فأشعريَّة ، ثمَّ أراد الانفكاك عنها والخروج من لوازمها ، لكنَّه لم يستطع أن يتقيأ كلَّ ما انغرس في فكره من تلك العقائد البدعية ، فقال عنه أبو بكر بن العربي: (شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة، ثمَّ أراد أن يخرج منهم فما قدر) "درء تعارض العقل والنقل1/5"وكذا الإمام أبو الحسن الأشعري فقد كان معتزليَّاً ، ثم تبنَّى الفكر الأشعري ، وبعد هذه التنقلات الفكرية ترك أبو الحسن الأشعري ذلك كلَّه وأقبل على منهج أهل السنَّة والجماعة وألَّف كتابين جليلين فيه هما: (الإبانة عن أصول الديانة) وكتاب: (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلِّين) ولكنَّه مع ذلك لم يخل من بعض الأخطاء بسبب التكوين العقدي المركَّب في عقله، وممَّن ألمح لذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ حيث قال: (لم يستطع التخلُّص من مذهب المعتزلة لأنَّه نشأ عليه مع قلَّة خبرته بمذهب أهل السنَّة وعدم تمكنه من علم الكتاب والسنة) (فتاوى ابن تيميَّة)
عرضت هذين النموذجين لأبيِّن دور البناء والتأصيل للتكوين العقدي في الخريطة الذهنية لدى الفرد المسلم ، وأنَّ الانفكاك عن كلِّ ما يثبت بالذهن من الأخطاء العقديَّة قد يكون صعباً ، إلاَّ من أراد الله له ذلك وتفلَّت فكره من كلِّ مخالفة شرعيَّة.
فصل
استدراك لابدَّ منه