فهرس الكتاب
لا يعني التحذير من القراءة لكتب أهل الزيغ والهوى ، أو متابعة آرائهم وأفكارهم بأي حال ؛ ألاَّ يُنتَدَب أناس منَّ الله عليهم بالعمق العلمي في معرفة منهج أهل السنة ، ورصانة الدفاع عنه ، مع ما آتاهم الله من قوة وحجَّة في الكلام ، وجزالة في المعاني والتبيان، بالتصدِّي لأهل البدع والضلالات ، وكشف زيف شبههم ؛ فإنَّ أهل السنة محتاجون أشد الحاجة لأولي العلم الربانيين المتمكِّنين ، وخاصة في هذا الزمان ، الذي كثرت فيه الشبهات وتسلط فيه الجهال على منابر الإعلام ، وانتشر فيه الرويبضات الذين ينطقون في أمر العامة ، فإننَّا بحاجة ماسَّة لمن منَّ الله عليهم بذلك وتكونت لديهم الحصانة العقدية ، لأن يُنتدَبوا لجدال الزائغين ، ومناقشة المغرضين ، وقد كان في السابق من أهل العلم من ينتدب لذلك إذا رأى الشبهات قد كثرت ، بل قد يناظر ويجادل أمام العامة ، إذا خشي أن تتسرب الفكرة الضالة إلى عقولهم من أهل الضلال ، حماية لهم منهم ، ورداً لكيد الضُّلاَّل في نحورهم ، كما ناقش الإمام أحمدُ ابنَ أبي دؤاد ، وكما جادل الكنانيُّ بِشْرَ المريسي ، وابنُ تيميةَ علماءَ الأشاعرة ، وغيرهم كثير . وكانت هذه الحالة عند العلماء استثنائية ، من أصل عدم مناظرة هؤلاء ، أو الاستماع إليهم ، إلاَّ إن اضطروا إلى ذلك ، وخشوا أن تستفحل الفتنة أكثر فأكثر ؛ فإنَّ أهل السنَّة استحبُّوا أن ينتهض الربَّانيون لمجادلة الضلاَّل .
وممَّن نبه على ذلك من علماء الإسلام: الآجرِّي ـ رحمه الله ـ بقوله عن أهل الضلالة والبدع: (فإن قال قائل:فإن اضطر في الأمر وقتاً من الأوقات إلى مناظرتهم ، وإثبات الحجة عليهم ألا يناظرهم؟قيل:الاضطرار إنَّما يكون مع إمام له مذهب سوء ، فيمتحن الناس ، ويدعوهم إلى مذهبه ، كفعل من مضى ، في وقت الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله:ثلاثة خلفاء امتحنوا الناس ، ودعوهم إلى مذهبهم السوء ، فلم يجد العلماء بدَّاً من الذبِّ عن الدين ، وأرادوا بذلك معرفة الحق من الباطل ، فناظروهم ضرورة لا اختياراً،فأثبت الله ـ عزَّ وجل ـ الحق مع الإمام أحمد بن حنبل ، ومن كان على طريقته ، وأذلَّ الله العظيم المعتزلة وفضحهم ، وعرفت العامة أنَّ الحقَّ ما كان عليه أحمد بن حنبل ومن تابعه إلى يوم القيامة) (الشريعة للآجرِّي/ص66) ، ولهذا فلا يُذْكَر أن أُفحِمَ أهل السنة في مناقشاتهم لأهل البدع ، أو مناظراتهم لهم ـ ولله الحمد والمنة ـ لأنَّ الله هاديهم ، ومنوِّر طريقهم ، وحقَّاً:
إذا تلاقى الفحول في لَجَبٍ فكيف حال البعوض في الوسط
أمَّا من أرادوا جرَّ أهل البدع والهوى لمناقشات لا يحسنون الجدل معهم فيها ، بل يلقون في أذهانهم شبهاً تلجلج في عقولهم أيَّاماً حتى يفرجها الله بإزالة تلك الإشكالات من أهل العلم الربانيين ، بعد أن يطوف عليهم هؤلاء المغمورون...إنَّ هؤلاء القوم لا يقال لهم ، إلاَّ لا تعرضوا أنفسكم للفتنة ، فتكونوا للناس فتنة ، حين لا يجدوا لديكم قوَّة في الحجَّة ، وعمقاً في المناظرة ، وكم أُتي أهل السنة والجماعة من أمثال هؤلاء !
وقد قيل: (كثيراً ما يكون الباطل أهلاً للهزيمة ، ولكنَّه لا يجد من هو أهل للانتصار عليه) وحين كان يتحدَّث الإمام ابن تيميَّة عن مناظرة أهل السنة لأهل البدع والهوى ، بيَّن ـ رحمه الله ـ أنَّ أهل السنة والجماعة لا يؤيِّدون أن يتصدى لمناظرة أهل البدع من كان قليل العلم ، فقال: (وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجَّة وجواب الشبهة ، فيخاف عليه أن يفسده ذلك المضلُّ ، كما يُنهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل علجاً قويَّاً من علوج الكفَّار ، فإنَّ ذلك يضرُّه ويضرُّ المسلمين بلا منفعة) "درء تعارض العقل والنقل7/173"وعلَّة ذلك أنَّه حين النقاش يظهر السنِّي أمام أهل الضلال والهوى بمظهر ضعف ، وعدم قوَّة في الاحتجاج والطرح ، فيسبِّب ذلك له ولبعض أهل السنَّة حيرة وفتنة في دينهم ، وقد تحدَّث ابن تيمية في موضع آخر حول هذه القضيَّة قائلاً: (وكثيراً ما يعارضهم من أهل الإسلام من لا يحسن التمييز بين الحقِّ والباطل ، ولا يقيم الحجَّة التي تدحض باطلهم ، ولا يبيِّن حجَّة الله التي أقامها برسله ، فيحصل بسبب ذلك فتنة) "مجموع الفتاوى35/190"
فصل
حلُّ إشكال قد يقع في البال
قد يقول بعض إنَّنا نعيش في زمن الانفتاح ، والقرية الكونية ؛ التي فرضت نفسها على المجتمعات ، وقد يصلح ما أكتبه لبعض المجتمعات المنغلقة على كينونتها الخاصَّة بها ، أو أزمنة سابقة ، وكثير من الناس يعيش في بلاد يكثر بها أهل الهوى والابتداع، فليس من بدٍّ إلا أن يستمع للأفكار حسنها وسيئها ، وقد يكون غير محصَّنٍ فكرياً وعقدياً ، كما تزعم أهميَّته ، فما قولك؟!