لقد استمر هذا الوضع المثالي للأعداء برهة من الزمان، لكن الصحوة الإسلامية الجارفة، واشتعال روح الجهاد باتت تهدد هاته المكتسبات. وبما أن الأنظمة الدمى باتت على كف عفريت، واحتمال سقوطها أضحى كبيرا للغاية، فإن الصليبين يخشون أن تسقط معها امتيازاتهم الضخمة فيرتفع ثمن النفط، فيتبع ذلك غلاء شديد للأسعار وأزمات اقتصادية، وهو ما لا يريدون أن يحدث (آثار حظر النفط بعد حرب أكتوبر 1973 لبثت أحقابا في الذاكرة الغربية) ، مما يدفعهم للتحرك والسيطرة المباشرة على مناطق المسلمين.
ليس هذا وحسب، فإن الاقتصاد الأمريكي يواجه اليوم أعظم أزمة اقتصادية منذ أزمة 1929، ولا أدل على ذلك من انهيار البورصة الأمريكية طيلة سنة 2002، وما نتج عنه من فقدان أزيد من 5 تريليون دولار، إضافة إلى تسببه في أزمة عالقة للقطاع السكني قد يترتب عليها مثل تلك الخسائر الضخمة وزيادة. وهذا يعني أن الاقتصاد الأمريكي يكمن على حافة الهاوية إذا لم يتم تداركه بإجراءات إنعاش راديكالية، وزاد الطين بلة فشل الخطة الاقتصادية لإدارة بوش الأبله (إقالة وزير الخزينة الأمريكي خير دليل) ، فكان أن ظهر الحل السحري بالسعي لاحتلال منابع النفط وإبرام صفقات ضخمة جديدة للسلاح وإعادة الإعمار.
2 -خطوط عريضة لصد العدوان الصليبي
عنصر المفاجأة
خلال الحملات الصليبية الأولى كان هجوم العدو مباغتا للمسلمين، الذين فوجئوا دوما بهجوم الغزاة وكذلك بعددهم وعتادهم، ولذلك كان العدو يستفيد من هذا العنصر أيما استفادة فيحرز المكاسب تلو المكاسب.
لكن الشأن مختلف اليوم، فجل المعلومات المتعلقة بالحملة الصليبية معروفة مسبقا، ولا مجال لعنصر المفاجأة إطلاقا. في المقابل نجد أن المجاهدين هم الذين يحتكرون عنصر المفاجأة، ويحددون توقيت ومكان العمليات، فأحرزوا بذلك سبقا لا يقدر بثمن.
كما أن الإعلان الوقح عن الحملة الصليبية والأهداف التي يتوخون من وراءها كذلك صب في مصلحة المجاهدين، وذلك لأن صناع الرأي الإسلامي على اختلاف مشاربهم باتوا مدركين لحقائق الأمور، ولم يعد هناك ما يصرف عن اتباع خطوات عملية للدفاع عن الأمة، عوض الدخول كما كان يأمل الأعداء في متاهات جانبية.
التعبئة العامة
إن تعبئة المسلمين عامة وفي كل الأقطار من أولى الأولويات لمواجهة الخطر الداهم، وهو الأمر الذي لا يجب أن يقتصر على المجاهدين وحدهم، وإنما ينبغي أن يتعداه لكافة القوى والفعاليات الاسلامية لأن مصير الأمة الإسلامية هو الذي يرجح في الكفة هذه المرة، وليس مجرد قضية ثانوية إذا اهتم بها البعض حصلت الكفاية.
ودور العلماء والدعاة المخلصين عظيم في هذا الشأن، ولعل التاريخ يثبت لنا هذه الأهمية: لقد جوبهت الحملات الصليبية الأولى بلا مبالاة مطلقة من طرف الحكام في صورة مطابقة لما يحدث اليوم، لكن أحد العلماء الربانيين وهو أبو الفضل بن الخشاب عالم مدينة حلب وقاضيها، كان له الفضل في بث روح الجهاد ضد الصليبيين، وتحريض المؤمنين على القتال في سبيل الله، وعدم ترك هذه الفريضة في يد الجيوش النظامية التي ابتعدت عن الطريق القويم، ولم يعد يهمها سوى مصالح قادتها المادية. لم يكن الأمر سهلا آنذاك فقد أخذ الفساد في النخب الحاكمة مأخذه، لدرجة أن حاكم حلب رضوان رضخ لأمر القائد الصليبي Tanc r ed، وهَمَّ بإقامة صليب فوق مئذنة المسجد الجامع بحلب . فما كان من ابن الخشاب إلا أن قاد انتفاضة كسرت الصليب، بل وذهب أبعد من ذلك حين قرر زيارة بغداد سنة 1111 م ليحث القيادات هناك على الجهاد. وبعد أن حاول لقاء الخليفة دون جدوى، ذهب إلى أكبر مساجد بغداد ومنع الخطيب من الصعود لخطبة الجمعة وأخذ الكلمة مكانه، فحرض الحاضرين على الجهاد وذكرهم بواجبهم تجاه الأمة. لم يثمر هذا العمل سوى تطمينات رسمية لا تسمن ولا تغني من جوع، فأعاد ابن الخشاب الكَرَّةَ ثانية في الجمعة الموالية لكن في مسجد الخليفة هذه المرة، فنتج عن هذه الخطوة بداية تغيير في الخط السياسي السلبي الذي ساد الأوساط في بغداد خلال تلك الفترة.. لكن ذلك لم يكن كافيا نظرا للتعقيد الذي وصلت إليه الأمور.. مع ذلك لم يُقل ابن الخشاب ولم يستقل، بل سخر حياته في البحث عن سبل صد العدوان الصليبي، فكان يخرج مع سرايا المجاهدين ويشهد بعض انتصاراتهم، فما لبث أن اغتالته أيادي عملاء الصليبيين بعدما اشتد خطر مشروعه الجهادي.
ليست مثل هذه المواقف حكرا على الماضي، فذكرى الشيخ عبد الله عزام لا زالت قوية في الأذهان، كيف لا وهو الذي قام بمثل ما قام به ابن الخشاب وزيادة، وله الفضل بعد الله في إذكاء جذوة الجهاد في زماننا من جديد.
إنها النفسية التي ينبغي أن تسود علماء الإسلام ودعاته.. نفسية لا تعرف العجز والكسل ولا الذل والاستكانة.