قد تختلف الأوضاع اليوم بأنه لا خير في أي نظام قائم، ولا مجال أصلا للانكار على الحكام يوم الجمعة لأنهم باختصار لا يصلون. لكن تعبئة المسلمين وحثهم على الجهاد والنصرة بالغالي والنفيس، ودعم المجهود الحربي الجهادي بشكل سري ومنظم من المتطلبات العاجلة للمرحلة.. في انتظار أوقات أفضل على المستوى الرسمي.
إيجاد الخزانات الاستراتيجية
من بين أسباب اندحار المسلمين في الحملات الصليبية الأولى أن الجند كانوا حديثي عهد بإسلام. فقد كان السلاطين يجلبون المقاتلين من قبائل التركمان ليحدثوا نظاما عسكريا احترافيا حتى لا يكون للأهالي دور في الجيش أو رأي في شأن الملك. لكن مع مرور الوقت حدث عكس ما كان يصبوا إليه الحكام إذ انقلب هؤلاء الجند التركمان عليهم واستقلوا بالحكم لأنفسهم. فكان لهذا الأمر الوقع السيئ على قضايا الأمة لأن هؤلاء الحكام الجدد وجيوشهم لم يكونوا يحملون الهم الإسلامي قط، بل كان المال هو أكبر همهم.
لكن حصل تحول جذري حين فقد الملك نور الدين زنكي أجزاء من مملكته لصالح أخيه، ففقد معها جزءا كبيرا من جيشه. وبما أنه لم تكن له القدرة المالية الكافية لجلب الجنود التركمان، فقد استعان عوضا عنهم بعنصر آخر: الأكراد.
كان الأكراد - خلافا للتركمان - قد أسلموا قديما، فكانوا يشعرون بما تشعر به الأمة ويتألمون مما تتألم منه، إضافة إلى أنهم كانوا أولو قوة وبأس في القتال. فحصل بدخولهم الميدان انقلاب في الموازين القائمة، تَوَّجَهُ صلاح الدين الأيوبي (الكردي) باستعداة القدس من أيدي الصليبيين.
لعل العبرة التي يمكن استنباطها من هذا التحول التاريخي هو ضرورة اهتمام الحركات المجاهدة بإيجاد وتهييء مثل هذه الخزانات الاستراتيجية، التي يكون أصحابها من أقوام ذوي إيمان أصيل وتاريخ عتيد في القتال وفنونه. فإن في ذلك سببا عظيما في استمرار الجهاد والنكاية في العدو.
مواجهة الحرب بالوكالة
إن الصليبيين توصلوا إلى أعلى درجات التمكن والسيطرة خلال الحملات الصليبية الأولى والثانية والثالثة، وتمكنوا من نسج تحالفات مع حكام المنطقة، وتفعيل الخلافات البينية للمسلمين لصالحهم، لدرجة لم يكن معها من الممكن المقاومة بفعالية. لكن هذه المناورات سقطت حين انتشرت الدعوة الإسلامية في صفوف الأمة وتم بناء عناصر القوة، فتمكن المسلمون من دحر الغزاة.
واليوم يمكن القول إن درجات الوعي الشرعي والسياسي بلغت حدا مقبولا، عرفت إثره الشعوب حقيقة الموقف الحالي، كما أن المجاهدين عرفوا كيف يستديرون على الأنظمة الخائنة ويؤججون الجهاد مباشرة على التحالف الصليبي الصهيوني. فالأمة لم تقعد مسلوبة الإرادة لتنتظر أحد هؤلاء الحكام الملاعين ليعلن الجهاد (وهو ما لن يحدث أبدا) ، بل قامت طلائعها المجاهدة بالواجب منذ أكثر من عقدين وإلى حدود الساعة بكفاءة عالية.
ومع ذلك فإن التصدي للتحالف الصليبي الصهيوني يتطلب على المدى المتوسط والبعيد تسخير كل قدرات الأمة - التي ارتهنها الحكام لصالح نزواتهم ولمصلحة الأعداء - مما يعني ضرورة السعي لتغيير بعض هذه الأنظمة، التي تتوفر على مقومات استراتيجية تحسن - إذا ما حصل عليها المجاهدون - الوضع الاستراتيجي للمسلمين. ويمكن القول أن هذا بالذات كان هو نهج أبطال الإسلام في حروبهم ضد الصليبيين، فالاستراتيجية التي تبناها زنكي و ابنه نور الدين ثم صلاح الدين الأيوبي بدأت بالقضاء على فساد الوضع العقدي والسياسي في البلاد الإسلامية المحيطة بمستعمرات الصليبيين، قبل حسم المعركة معهم.
الدفاع الاستراتيجي
إن أكبر خطإ ارتكبه المسلمون في الحملة الصليبية الأولى كان هو عدم التصدي المستميت لجحافل الغزاة خلال المعارك الأولى سنة 1097 م، فمثلا نجد أن قلج أرسلان - قائد أول جيش مسلم يواجه الصليبيين في الأناضول - قد تفاجأ بطريقة حرب الصليبيين المغايرة تماما لما كان يمارسه الأتراك، فتركهم يمرون إلى الأراضي الأخرى، ظنا منه أنهم سيلقون حتفهم على أيادي جيوش مسلمة أخرى. لكن هذا التسويف والتلكؤ ألهب حماس الصليبيين وزادهم شهية لتحقيق ما يصبون إليه.
يختلف الوضع اليوم بأن المجاهدين والحمد لله صدوا هجوم أمريكا على أفغانستان بكفاءة، بل وانتقلوا إلى الهجوم المضاد مما أربك حسابات الصليبيين ودفعهم لتغيير بعض برامجهم. ويا ليت نفس الأمر يحدث خلال غزو العراق، وذلك أن منع أمريكا من تحقيق مآربها هناك سيكون ذا أثر بليغ على المخططات الموضوعة وعلى القائمين عليها، وسيفتح آفاقا واسعة أمام المجاهدين.
ملء الفراغ السياسي
إن الاندفاع الصليبي الصهيوني المسعور نحو احتلال قلب العالم الإسلامي قد يخلف زلازل سياسية في بعض أقطاره، مما قد يسفر عن سقوط أنظمتها المتهالكة. في هذا الإطار لا بد للفعاليات الإسلامية من السعي بكل قوة لملء هذا الفراغ السياسي، وأن تكون على استعاد للتحول من قوى شعبية كما هي الآن إلى قوى سياسية، فإن هذا من شأنه أن يقوي الموقف الإسلامي.