وإليكم مثالٌ من فتاوى أخر الزمان, لعجوزٍ من عجائزِ السينما العربية, يسألُها الصحفي بخيت ، ما رأيكِ بأولئك الفناناتِ التائبات اللاتي اعتزلنا الفن؟ فتجيبُ الفقيهةُ الكبيرة ، والعبقريةُ الفذة , أتقولُ تائباتٌ ؟ ثم تسأل باستنكار! وهل الفنُ جريمة ؟! ثم تقررُ باطمئنان! وتُفتي بكلِ ثقةٍ فتقول: إنَّ الفنَّ رسالةٌ خالدة, والفن أباحه ربُنا فما وجهُ الخطاء ؟! هذا مثالٌ ومثلُهُ كثير، تُنشرُ في الصحفِ والمجلاتِ الهابطة, لتجرئةِ الناس على الفتيا, وتمييعِ الدين ، والاستخفاف بما يجوزُ وما لا يجوز, وبالإضافةِ إلى أولئكَ المستهزئين, لم ينس علماُءُ الدينارِ والدرهم أن يستخُفوا الأمةَ بعجائبِ كذبهم ، وغرائبِ فتاواهم المصادمةِ لمسلَّماتِ الشريعة, وثوابتِ الملة, فأباح بعضُ المجرمين الربا إرضاءً للطاغوتِ الذي يعبدُه, والشيطانِ الذي يُقدسُه, كما أفتى بعضهم بجوازِ بيعِ الخمور, لدعمِ الاقتصادِ الوطني, وتنشيطِ السياحة, وإن تعجبْ فعجبٌ قولهم لا بأسَ بالنظرِ إلى الجميلات, من أجلِ التفكيرِ بعظمِ صنعِ الله, سبحانك هذا بهتان عظيم !!
أيُّها المسلمون:
وفي مُقابلِ هذه الجراءةِ البالغةِ على الفتيا، يقفُ على النقيضِ من ذلك بعضُ العلماءِ الراسخين, فيجمحونَ عن الفتيا مع تأهلهِم لها ، وقدرتهِم عليها ، ويمتنعونَ عن إبداءِ آرائهمِ الشرعية في قضايا الأمةِ المصيرية , ويوقعون الناسَ في حيرةٍ من أمرهم, ويُخيبونَ أمالَ الأمةِ في أحرجِ المواقف ، وأشدَّها حاجةً إلى سماعِ كلمةِ الحق, والأمةُ محتاجةٌ إلى سماعِ أقوالِ علمائِها وآرائهمِ عند اشتداد الخَطْبْ, وظهورِ الفتن ، حتى لا تزَّل بهمُ الأقدام ، أو تهوي بهم الريحُ في مكانٍ سحيق. (( المص * كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ) ) (لأعراف:2,1) .
(( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ) ) (آل عمران:187) .
فحرامٌ على العلماء أن يكتموا العلمَ الصحيح ، ويبنوا الحقَّ الصحيح ، ويَدَعُوْا الأمةَ تتخبطُ ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشمال ، دون أن يأخذوا بيدِها إلى برَّ الآمان لا يخافون في اللهِ لومهََ لائم.
هذا إمامُ أهلِ السُنةَّ أحمدُ بنُ حنبل- رحمه الله- يقولُ رأيهُ بكلِ شجاعةٍ ورجولة ، لا يمتنعُ من الفُتيا بما يعتقدُهُ من صوابٍ في قضيةِ خلقِ القران ، ولا يرضى لنفسهِ أن يُضللَ الجماهيرَ المتلهفةِ لسماعِ كلمةِ الفصل، أو أن يكتمَ علماً الأمة بأمسِّ الحاجة إليه, يقولُ كلمةَ الحقِّ غيرَ هيابٍ ولا وجل، وإن غضبَ المأمون أميرُ المؤمنين ، وهددَّه بالصلبِ والقتل .
أيُّها المسلمون:
وأخطرُ أنواعِ الفُتيا ، إصدارُُ أحكامٍ وأراءٍ تعسفية، يترتبُ عليها شقُّ الصفوف، وتمزيقُ الوحدة ، وإضعافُ الدعوةِ ، وتبديدُ الجُهد ، وسوقُ الأمة إلى مزالقَ خطرة ، دهماءَ مروية, كأنْ يستشهدَ بعضُهم بالفُتيا لوحدها ، فيُحللُ ويحرم ، ويُصوبُ ويُُخطئ ، ويُحسِّنُ ويُقبح ، ويجعلُ الخوضَ في قضيةٍ من القضايا حقاَ خالصاً له وحده ، فيغفلُ الرأَي الآخر ، ويتهمُه بالقصور، ويقذفُ صاحبهَ بالبلادة , ويرميهِ بالجهل ، ويصفهَ بالإثارةِ وحبِّ الظهورِ، وربمَّا رماهُ بالعمالةِ والخروجِ عن مذهبِ السلف، وألقصهُ بمذهبٍ من مذاهبِ المبتدعة .
ولو أنصف المسكين , وأتقى اللهَ فيما يقول, لعلمَ أنَّ المسالةَ محلُّ اجتهادٍ ونظر, وأن الخلافَ فيها معقول، والخصمُ له دليلُهُ وصحته ، لكنَّه الهوى المتبع والإعجاب بالرأي .
أيَّها المسلمون:
لقد كانَ سلفُ هذه الأمةِ من الصحابةِ والتابعين, يتورعونَ غاية الورعِ من الفُتيا، ويُقدرون خُطورةَ القولِ على اللهِ بلا علم, ويودُّ الواحدُ منهم أن يكفيهَ شأن الفتيا غُيره ، فإذا رآى أنَّها قد تعينتْ عليه ، بَذَلَ وسعَهُ وطاقتهُ في معرفةِ حكمهِا، ثم أفتى بكلِ حيطةٍ وحذر .
يقول ابنُ أبن ليلى: أدركتُ عشرينَ ومائة من أصحابِ رسول ا صلى الله عليه وسلم فما كان منهم مفتٍ، إلاَّ ودَّ أنَّ أخاهُ قد كفاهُ الفتيا.