وقال أبو داودَ في مسائلهِ: ما أحصي ما سمعت أحمدَ بنَ حنبل سُئِلَ عن كثير ما فيه الاختلاف في العلم فيقولُ: لا أدري ، وقال عبدُ اللهِ بن أحمد: كنتُ أسمعُ أي كثيراً يسألُ من المسائلِ فيقولُ: لا أدري، وكثيراً ما كان يقولُ للسائلِ: سَلْ عن ذلكَ غيري . وسألَ رجلٌ الإمامَ مالكاً في مسألة, فقال:لا أدري . فقال يا أبا عبد الله تقولُ لا أدري! قال: نعم ، فأبلغ من وراءاك أنِّي لا ادري ، ومن الأخطاءِ التي لها مساسٌ بهذا الموضوعِ الخطير ، التساهلَ في النقلِ عن الأئمة ، ونسبةُ بعضِ الأقوالِ والفتاوى إليهم من غير تحرٍ أو تثبيت, وعند البحثِ والمراجعة يتبينُ وهْمُ أولئكَ النقلة ، و ما آفةُ الأخبارِ إلا رُواُتها، ومن أمثلةِ ذلك: شهرةُ نسبةِ القولِ للإمامِ الشافعي- رحمة الله - من تجو يزهِ التلفظَ بالنيةِ للصلوات ، وفهموا ذلك من قوله (( الصلاة ليست كغيرِها من العادات ، فلا تُدْخَلُ إلاَّ بذكر ) )وهذا خطاءٌ كبيرٌ في الفهم ، فمقصده - رحمه الله- من دخولِ الصلاةِ بالذكر: أي بتكبيرةِ الإحرام, ومن أخطائهم: الغلط على شيخِ الإسلامِ أبن تيميهَ- رحمه الله - من أنَّهُ يقولُ: أن الجهاد شُرعَ للدفاعِ لا للقتالِ مع كلمة الإسلام, وهذا كذبٌ على شيخِ الإسلام. وأُُلفِّ في الردِّ عليه رسائلَ وأبحاث, ومن ذلك نسبتهمُ لأبنِ القيمِ- رحمه الله- أنَّهُ يُجوزُ زواجَ المتعة ، وأبن القيم بريءٌ من هذا القول براءةَ الذئبِ من دمِ يوسُف- عليه السلام- وأخطرُ من هذا وذاك ، التلاعبُ بفتاوى العلماء, وتحميلِها مالا تحتمل، وتحريِفها عن دلاتها ، أو الاستشهادِ بها في غيرِ مواضعها , وتطويِعها لخدمةِ أغراضٍ مصلحيه .
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم، واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم
الخطبة الثانية:
الحمد لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةِ المُسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين,
أمَّا بعدُ:
فقد ظلَّ اليهودُ منذُ ما يربو على أربعين سنة, يسخرونَ من كلِّ من يتحدثُ عن حقَّ الشعب الفلسطيني, في تقريرِ مصيرهِ ، ومنحهِ مساحةً من الأرض يُقيمُ فيها دولتهَ, ولم يكترث اليهودُ بالشعاراتِ المعادية، التي رفعها بعضُ المسلمينُ المناضلين ، فقد كان يُدركُ حقيقةَ أصحابِها وكونَهم يُتاجرون بالقضية لأغراضٍ شخصية ، ومأربَ خاصَّة، بيدَ أنَّ اشتداَد الضرباتِ المُوجهة, التي قَامَ بها شبابُ الحجارةِ ورجال الجهادِ الصادقون ، مرغتْ كبرياَء المُغتصب اليهوديِ بالتراب , وأشعرَتهُ بخطورةِ أوضاعِه ,وتأزُمِ موقفه وضرورةِ البحثِ عن مخرجٍ من ذلكِ البلاءِ العظيم , فوجَد ضالتَّهُ في حملةِ الشعاراتِ وإيَّاهم, فدعاهم على عجلٍ ليعقدَ معهم صفقةً سريعة, يعودونَ من خلالِها إلى حيزٍ صغيرٍ من أرضهم ، لا ليقيموا شَرع اللهِ فيها ، ويرفعوا رايةَ الجهادِ والدعوة, ويقتلعوا اليهودَ من الأرض المقدسةِ كلها ، بل عادُوا ليقتلَوا اثنيَّ عشرَ مسلماً في ساعةٍ واحدة ، ويخَرجوا بأسلحتهِم الحديثة مائتي مُصلي في يومٍ فضيل ، والبقية تأتي، ولنا أن نتساءلَ أهذهِ ثمرةُ النظال؟! أهذه نتيجة الجهادِ المزعوم ؟! أهذهِ نهاية أربعينَ سنةٍ وزيادةٍ من الهُراءِ والنعيق ؟! إنَّ المسلمَ المتابعُ لمجرياتِ الأمور، ليدركُ تماماً , أنَّ السبيلَ الوحيد لاستردادِ الكرامةِ المفقودة ، والمجدِ السليب ، وطردِ المغتصب , هو الجهادُ في سبيلِ الله، وما يقومُ به اليوم ذلك الشبابُ الواعدُ المنطلقُ من مساجدِ غزة ، وهو شبابٌ وُلدَ وعاش المعاناة منذُ نعومةِ أظفاره ، اكتوى بنيرانِ الاحتلال منذُ فتحَ عينيهُ على الدنيا, وهذا الجيلُ الذي يكابدُ المأساةَ في حياتهِ اليومية ، أقوى مراساً وأقدرُ على العطاءِ من الجيلِ الذي عاشَ معاناةَ الإقامات ، ووثائقَ السفرِ والعملِ في البلادِ القريبةِ والبعيدة ، وهو من بابِ أولى أقوى مراساً وأقدرُ على العطاء, ممَّن صدقَ فيهم قول الشاعر:
أسدٌ علي في الحروبِ نعامةٌ *** عرجاء ، تنفرُ من صفير الصافرِ
اللهمَّ إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوق إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،
اللهمَّ زينا بزينةِ الإيمانِ، واجعلنا هُداةً مهتدين,لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين، يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمام المتقين، وقائد الغرِّ المحجلين وعلى ألهِ وصحابته أجمعين .
وأرضي اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعلي
اللهمَّ آمنا في الأوطانِ والدُور، وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربك رب العزة عما يصفون .