فهرس الكتاب

الصفحة 25264 من 27364

إن دخول العراق ليس هو آخر ما بجعبة جند الصليب ، إن دخول العراق له ما بعده وسندخل في مرحلة هي أشد سوء إذا لم نعمل على كسر هذه الحملة الصليبية وإقلاقها حتى تخرج من أرض المسلمين كافة ، ولابد من العمل على جعل العراق ميدان استنزاف للصليبيين ، بل ومقبرة لهم ، فإذا لم يتم إيقافهم في العراق ، فهناك دول مجاورة للعراق على قائمة التغيير ، فميدان العراق مناسب ليكون هو المقبرة لإيقاف هذه الحملة الصليبية .

ونعود للجواب على سؤالنا فنقول: إن كثيراً من الناس عندما يسأل عن نفير الشباب المسلم للجهاد في هذه البقعة أو تلك ، أول استفساره يقع عن فائدة النفير في تغيير الحدث نفسه، وفائدة الأرض التي سيذهب إليها ، فليس الأمر يقف عند هذا الحد ، فالجواب على هذا السؤال من خلال الحدث ولأجل الحدث فقط لا ينفع الأمة شيئاً ، نحن أمة نحتاج إلى أن نسأل عن فائدة الأمة بأسرها من نفير الشباب قبل أن نسأل عن فائدة العراق وشعب العراق علماً أنه واجب علينا دفع الصائل عنهم دون جدال .

ولكن أول ما في الأمر هو فائدة العبد نفسه من العمل ، قبل أن يسأل عن فائدة غيره أو فائدة الأمة ، قال تعالى ( و من جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين ) فلابد أن يسأل المرء أولاً ما فائدتي الشخصية في النفير إلى الجهاد ، لأن نفيره إلى الجهاد جاء بسبب حاجته إلى الجنة وحاجته للنجاة من النار ، فالجهاد في المقام الأول عائد نفعه على الفقير إلى رحمة الله تعالى وفضله ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) ، وقال ( إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً والله على كل شيء قدير ) فلابد للمرء أن يسأل ماذا سيستفيد من فضل الله تعالى لو أنه نفر للجهاد ؟ بغض النظر هل سيرجع إلى أهله أو أنه سيقضي شهيداً بفضل الله ورحمته أو ما بين ذلك من جرح وأسر ، إذا نبع هذا السؤال عن قناعة بأن الجهاد يعود نفعه في المقام الأول على فاعله ، فهذا الذي سيجعل أبناء الأمة يتدافعون على أبواب الجهاد ، كما تدافع الصحابة صغاراً وشيوخاً ومن أهل الأعذار أيضاً على باب الجهاد .

روى البيهقي في سننه قال كان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج وكان له أربعة بنون شباب يغزون مع رسول الله ( إذا غزا ، فلما أراد رسول الله ( أن يتوجه إلى أحد ، قال له بنوه: إن الله عز وجل قد جعل لك رخصة فلو قعدت فنحن نكفيك فقد وضع الله عنك الجهاد ، فأتى عمرو بن الجموح رسول الله (فقال يا رسول الله إن بني هؤلاء يمنعوني أن أخرج معك ، والله إني لأرجو أن استشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة فقال له رسول الله (( أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد وقال لبنيه وما عليكم أن تدعوه لعل الله يرزقه الشهادة ) فخرج مع رسول الله ( فقتل يوم أحد ، وروى البغوي أن النبي ( قال بعد مقتله( لقد رأيته في الجنة) .

هذا الاعتقاد هو الذي جعل هذا الشيخ الأعرج يتدافع مع أبنائه على باب الجهاد ، فلم يقل له النبي أنت شيخ أعرج ولن تفيدنا بشيء ، أو أن هناك أبواب للجنة أخرى اذهب إلى بيتك وحاول دخول الجنة منها ، كل هذا لم يقله صلى الله عليه وسلم ، فلما سمع تبريره وأنه بحاجة الجهاد ليطأ بعرجته الجنة فحسب ، قال صلى الله عليه وسلم ( وما عليكم أن تدعوه لعل الله يرزقه الشهادة ) ، الشهادة مطلب يسعى المؤمنون إليها ، هؤلاء الذين وصفهم الله بأنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، يبتغون الشهادة ، لو أن عمرا بيننا اليوم لوجد من الناس من يقول له لا تذهب إلى المحرقة ، الحرب محسومة أنت لن تنفع بعرجتك شيئاً ، أنت شيخ كبير ولن تقاوم آلة قريش وشبابها ، نعم من جاهد فإنما يجاهد لنفسه ، كل من رأى باب الجهاد مفتوحاً فلا يسأل ما حاجة فلان بجهادي أو ما فائدة البلاد أو الحدث بجهادي ، ينبغي أن يسأل ماذا سأستفيد أنا لو جاهدت وقتلت أو بقيت في أرض الجهاد .

أما السؤال الآخر الذي ينبغي أن يطرح ، وهو الذي أشرنا إليه سابقاً ، وهو الذي يدل على أن الهم أبعد من الحدث نفسه ، لا يدل إلا على أن الهم هو إحياء الأمة ، السؤال هو ماذا ستستفيد الأمة من جهاد فلان أو فلان ، فلو قدرنا أن ساحة العراق استوعبت آلافاً من شباب الأمة وقتل نصفهم ، فمن قتل فقد مضى إلى خير بإذن الله تعالى ، ومن جرح فجرحه نجاته بإذن الله يوم القيامة ، ومن أسر فالأسر ملازم للجهاد ، ولا جهاد بلا جرح ولا أسر ، ومن أراد جهاداً بلا جرح ولا أسر ولا هزيمة ، فليقبع في بيته ، وليقل يوم القيامة لله عز وجل إذا سئل عن قعوده ، بأني أردت جهاداً يكون لي النصر فيه دون جرح أو أسر فلم أجد فقعدت وخذلت عن الجهاد ، وحرضت على القعود .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت