فنقول إن أية قوة عسكرية لا يمكن أبداً أن تقدم وحداتها القتالية دون تأمين خطوط الدعم اللوجيستي لها ، والدعم اللوجيستي هو كافة الإمدادات التي تحتاجها القوات في الميدان من دعم عسكري ودعم في التموين ودعم طبي وإداري وغيره ، ونلاحظ أن الدعم اللوجيستي بالنسبة للقوات الأمريكية يمثل ثلاثة إلى واحد ، أي أن كل جندي في الميدان يحتاج إلى ثلاثة جنود للقيام بمهام الدعم اللوجيستي له ، فإذا كان الصليبيون قد أدخلوا للمعركة 100 ألف جندي كما يزعمون فهم بحاجة إلى 300 ألف آخرين لدعم هذا العدد داخل الميدان ، فمن خلال معرفة استراتيجيتهم في الدعم اللوجيستي يتبين أن العدد الذي زعموا أنه داخل العراق عدد مبالغ فيه ، أو أن استراتيجيتهم في الدعم لم تطبق وهذا سيكون له أثر كبير لو استمرت الحرب لشهر فقط .
ولكن نقول إذا كان العدد 50 ألف جندي صليبي في الميدان فمعنى هذا أنهم بحاجة إلى 150 ألف جندي للقيام بالدعم اللوجيستي لهذا العدد ، وهل يمكن أن يؤدي هذا العدد مهامه بالدعم اللوجيستي من داخل العراق ؟ ، من المضحك أن نقول نعم ، ولكن من الغباء أيضاً أن نظن أن هذا العدد يمكن أن يقوم بالدعم من الأراضي الكويتية فقط فهي الوحيدة التي أعلنت وبصراحة أنها مع هذا الغزو للعراق وقد فتحت حدودها للغزاة ، فهل الكويت يمكن أن تستقبل كل هذا العدد أو حتى ربعه لينطلق الدعم من الأراضي الكويتية عبر منفذ حدودي يعادل 240 كلم فقط ؟ بالطبع لا لم تكن الكويت كذلك ، بل كان الدعم اللوجيستي قادماً من الأردن والسعودية والكويت وتركيا وقطر والبحرين وغيرها من الدول ، ولا نريد الإطالة للتدليل على ذلك بذكر بعض الوقائع العسكرية والسياسية ، لأننا نظن أن هذا أوضح من أن يبين فالكل متفق على ذلك ، من هذا يتبين أنه لا يمكن أن يقبل عسكرياً أن تخوض دولة حرباً ضد دولة أخرى دون أن تحتاج إلى أراضي الدول المجاورة لخوض هذه الحرب .
أما الجواب من الناحية الأخرى حينما نتحدث عن الشعوب وعن هذا التعداد الإسلامي المحيط والمعايش لميدان المعركة ، فنقول إن من الذل حقاً أن يحيط هذا العدد بالعدو ولا يملكون إلا أن يتفرجوا على إخوانهم العراقيين وهم يقتلون كما تفرجوا ويتفرجون على إخوانهم الفلسطينيين ، وإن كان هذا من شيء فإنه أول ما يكون بسبب ترك الجهاد الذي لا عز لنا إلا به كما صحت بذلك الأحاديث .
نعم لا ننكر أن العدو يتفوق بأسلحة تقتل آلافاً من الناس دفعة واحدة ، ولكن هذه الأسلحة لا يمكن أن يكون لها مفعول حينما يكون هم الأمة هو قتل أفراد هذا العدو، فالأمة لن تحارب العدو بجيش يمتلك الأسلحة فهي لا تمتلك الجيش الذي يمثلها، إن الجيوش التي في الأمة لا تمثل الأمة إنما تمثل الحكام فقط ، فهي تحمي عرش الحاكم ولو قتلت الشعب بأكمله ، وبإحصائية بسيطة يمكن أن نكتشف أن كل جيش من جيوش الدول الإسلامية قد قتل من شعبه وجرح واعتقل أكثر مما قتلهم من العدو بألف ضعف ، والحروب العربية خاضتها الجيوش العربية ضد بعضها بنسبة تصل إلى 96% ولم يصب العدو من هذه الحروب إلا 4% فقط .
هذا الأمر يجعلنا نخاطب الأمة بمعزل عن حكوماتها وجيوشها التي لا تمثلها وهي خنجر في خاصرتها ، ودمية بيد الأعداء ، ولكن من هو السبب لوصول الشعوب إلى هذه الحال ؟ لاشك أنه الوهن وهو حب الدنيا وكراهية القتال كما قال من لا ينطق عن الهوى محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم .
ولسنا في هذه الحلقة سنحلل الأسباب المتراكمة منذ قرن من الزمان لهذا الذل ، ولكن ما نريد أن نصل إليه أننا لا نطالب الحكومات ولا الجيوش بشيء ضد العدو ، ولا نعقد عليها آمالاً لتدافع عن الأمة ، ولكن نطالبها فقط أن تكف عن حرب المسلمين ويخلوا بينهم وبين عدوهم فقط ، ثم نطالب الشعوب ألا تعتمد على هذه الحكومات وهذه الجيوش التي ما عرف عنها إلا حرب الإسلام والشعوب الإسلامية ، فمطالبة الحكومات بالوقوف أمام العدو عسكرياً ، أو إعانة إخواننا في هذا المكان أو ذاك ، أو إعلان موقف حتى سياسي ضد العدو ، كل هذا سذاجة لا يقبلها عقل عرف أن الأعداء هم من بني جلدتنا ، وأن مصاب الأمة من حكوماتها وجيوشها .