وكما أننا نطالب الأمة بألا تعتمد على الحكومات بشيء ، فإننا نطالبها بأن تهب لدفع العدو الصائل بنفسها ، ودفع العدو الصائل بالنسبة للأمة لن يكون إلا عن طريق حرب العصابات ، فإذا كنا نقول بأن العدو الصليبي دخل العراق ويحيط به 120مليون نسمة على الأقل ، فهل تعرف الأمة ما يعني هذا الرقم لحرب العصابات ، هذا الرقم لن يكون قوة ضاربة في حرب عصابات فحسب ، بل إنه وقود حرب استنزاف لن يتمكن الصليبيون بكل ما ملكوا أن يقفوا أمامها ، بالطبع فإن أحداً لا يتصور أن نقول أن هذا العدد لابد أن يشارك كله في حرب عصابات ، ولكن نقول بأننا نحتاج إلى عشر عشر عشر معشار هذا العدد ، ليصبح نصيبنا 12 ألف مجاهد ، ولا يغلب اثنا عشر ألف من قلة ، وإذا لم تتمكن المنطقة من إخراج هذا العدد فلا خير فيها وهي أمة لا تستحق السيادة ، والذل والموت سنة من الله تقع عليها إذا تركت الجهاد ، فهذا العدد هو رقم صعب بالنسبة للعدو لو وجد من يقاتله بأسلوب حرب العصابات التي قدمنا في الحلقات الماضية طرفاً منها ، فمهما تكن قوة العدو وتفوقه التسليحي فإنه لن يستطيع أن يقاتل رجالاً بأسلوب العصابات ، لأنه سيكتشف أنه يقاتل أشباحاً أو هواء لا طعم له ولا رائحة ولكنه موجود .
فنقول لو أن شعوب المنطقة عملت بأسلوب عسكري يناسب قوتها لأمكنها أن ترقى بنفسها ، أما إذا كانت الشعوب تنتظر يسوعها المخلص ، أو تنتظر حاكماً يتحول إلى رجل ليعلن أنه سيحارب العدو في سبيل الله ، أو تنتظر أن تخرج لنا بين عشية وضحاها قوة ضاربة تهزم العدو ، أو أن يسمح لنا العدو عن طريق عملائه الحكام أن نعد أنفسنا لحربه بما يقارب قوته ، فنظن أن هذا تخدير للأمة وتهميش لها ، ولكن لكل داء دواء حتى في العلوم العسكرية ، فدواء العدو الصليبي الذي يمتلك القوة و التكنلوجيا ، أن يجرد من كل هذه القوة بإدخاله في ميادين قتال لا يمكنه من استخدام أسلحته ليجد نفسه هزم بأسلوب حرب غير متوازية ، كما هو حال الاتحاد السوفيتي ، الذي كان يمتلك السلاح النووي والسلاح الكيماوي ، ويمتلك أعتى أسلحة الجو في وقته ، ولكن المشكلة أنه لم يستطع أن يمتلك القدرة على تحديد المجاهدين لضربهم بهذه الأسلحة ، فتم إنهاكه عندما أجبر على الحرب التقليدية وعلم أنه خاسر وأن أسلحته لن تفيده شيئاً أمام عدو لا يظهر ، وهذا الذي دفع اليهود أن يعطوا الفلسطينيين الحكم الذاتي ، فليس قصدهم سياسياً عندما وافقوا على إعطاء الفلسطينيين حكماً ذاتياً ، ولكن الهدف في المقام الأول عسكري ، فمن الصعب بمكان أن يقاتل اليهود الفلسطينيين وهم مختلطون معهم في كل مدنهم ، فالاختلاط والتخفي بينهم يعطل كل الأسلحة اليهودية ، ولكنهم قرروا أن يضحوا بمناطق للحكم الذاتي ، ليتمكنوا من حشد جميع الفلسطينيين فيها ليتمكنوا من حصارهم وضربهم بالطائرات والمدفعية واستخدام كافة أنواع الأسلحة ضدهم ، ويوم أن رضي الفلسطينيون بالتمايز عن مناطق العدو فقد خسروا كثيراً وهو ما نشاهده في جنين وطول كرم وغزة وغيرها من المناطق الفلسطينية التي تتعرض للحصار والقصف ، ولو كان الفلسطينيون بين اليهود وفي مدنهم لما أمكن حصارهم ولا قصفهم ، كما كانوا قبل الحكم الذاتي .
إذاً لابد أن نوصل العدو الصليبي إلى هذه المرحلة وهي أن نقاتله من حيث لا يشعر ، العدو الصليبي في العراق لا يمكن له أن ينفصل عن الناس لأن مهمته هي السيطرة على العراق وإدارة شئونها ، وهذا يقتضي منه أن يختلط بالمسلمين ، واختلاطه بهم لن يمكنه من استخدام كل أساليبه العسكرية ضد من أراد قتاله ، فهو حجم نفسه ، لأن مهمته التي فرضها على نفسه ألزمته بأن يكون في تماس دائم مع المسلمين ، وبهذا فإن حرب العصابات ستنهكه كثيراً ولن يتمكن خلالها أن يدافع عن نفسه بآلته العسكرية بشكل كامل .