فهرس الكتاب

الصفحة 25311 من 27364

إن التواجد الأمريكي في المنطقة لم يكن ردة فعل لقضية محددة كضربات سبتمبر أو لتسلط رئيس غاشم ، إن التواجد الأمريكي في المنطقة هو استراتيجية لا يمكن لأمريكا أبداً أن تتنازل عنها ، وهي على استعداد أن تقاتل دول المنطقة بأكملها من أجل البقاء في المنطقة ، كما أنها على استعداد أيضاً لقتال حلفائها من دول أوروبا لتحقيق أهدافها في المنطقة ، إن المنطقة هي شريان العالم للحياة ، ومن يسيطر على هذا الشريان فسوف ينتعش ويسود ، ومن ثم فإنه سيسيطر على العالم ويخنقه بلا رحمة حسب قناعتهم ، هذا هو ملخص أهمية المنطقة بالنسبة لأمريكا ، فمن السذاجة والسخف أن يظن أن القوات نزلت بسبب صدام ، وسترحل بزوال صدام ، كما أنه من السذاجة أيضاً أن يظن ولو بقدر بسيط جداً أن لهذا الإعلان نعني به - إعلان إخلاء السعودية من القوات الأمريكية - حقيقة على أرض الواقع ، التحرك والانتقال من دولة إلى أخرى في المنطقة لا يعدو أن يكون مجرد تحرك عسكري تكتيكي ، ولكن الاستراتيجية ثابتة ، وهي ضمان السيطرة على منابع النفط ، والسيطرة على الممرات وضمان سلامة وصول النفط ، وضمان أمن إسرائيل ، وضمان عدم وصول الإسلاميين إلى أية سلطة في المنطقة، أو تحركهم بما يهدد سيادة أية دولة في المنطقة ، هذه هي الاستراتيجية العسكرية الأمريكية الثابتة في المنطقة ، و هذا هو المظهر الواضح للصورة ، وكل ما يحصل في خلفيات الصورة فهو لا يمثل أكثر من تغيير في الديكور لإعطاء الصورة مسحة جمالية خداعة ، تروج على شعوب المنطقة ، والمغفلين .

وحتى نوضح الاستراتيجية التي أشرنا إليها قبل قليل لابد من الإطالة في تجلية الصورة ، ولكن سنحاول الاكتفاء بإشارات يسيرة دون التفصيل ، رغبة في الاختصار فنقول:

إن أهمية منطقة قلب العالم الإسلامي ، ولا نقول الشرق الأوسط فهو مسمى مستحدث لإدخال الورم السرطاني اليهودي ضمن منظومة دول المنطقة ، فتعبير الخليج لا يدخل إسرائيل ، وتعبير الدول العربية لا يدخل إسرائيل ، فتم إنشاء مصطلح الشرق الأوسط ليشمل إسرائيل وتكون طبيعية ضمن دول المنطقة .

نقول إن أهمية المنطقة بالنسبة للعالم عامة وللأمريكيين خاصة ، لم تقتصر على أنها منطقة التهديدات المحتملة من قبل المعسكر الشرقي فحسب ، بل جاءت الأهمية لأن المنطقة تشكل مسرحاً أساسياً لجميع دول العالم على الصعيد الاستراتيجي ، فمن حضي بها فقد حضي بنصيب الأسد على هذا المسرح .

ودول الصليب لم تعرف أهمية المنطقة بعد اكتشاف النفط ، بل عرفت أهميتها قبل ذلك ، فهي تعتبر قلب الممرات الحيوية في العالم ، ورابطة القارات ، ومنذ أربعة قرون فقد حاول الصليبيون السيطرة على المنطقة ، لما لها من أهمية دينية وجغرافية ، وحاول البرتغال وحاولت فرنسا وجاءت بعدهما بريطانيا ، وتفردت بالنفوذ بعد السيطرة الكاملة لها على سائر المستعمرات فأصبحت إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس ، وكانت المنطقة بالنسبة لها هدفاً استراتيجياً لا يمكن التنازل عنه قبل اكتشاف النفط .

وبعد الحرب العالمية الثانية 1366هـ 1947م ، بدأت القوة البريطانية تنحسر وتضعف ، مما تسبب باستقلال أكثر مستعمراتها ، ومع تخلي بريطانيا عن أغلب مستعمراتها ، إلا أنها عضت بنواجذها وأنيابها على منطقة الخليج الغنية ، ومع ضعف القوة البريطانية برزت مكانها حليفتها الجديدة الولايات المتحدة ، وحاولت منازعتها على نفوذها وخاصة في المنطقة التي زادت أهميتها بعد ظهور النفط ، ويقول الرئيس الأمريكي الأسبق نكسون في مذكراته ( أن أول تواجد عسكري أمريكي مكثف في المنطقة كان في منتصف عام 1367هـ 1948م عبر( مبدأ ترومان ) الذي أمر في ذلك الوقت بتشكيل القوة الخاصة السادسة التي كانت سابقاً تدير الأسطول السادس الأمريكي ، وبدأت الطائرات الأمريكية على الفور باستخدام القواعد الليبية والتركية والسعودية ضمن قانون الإعارة والتأجير الذي سعى الرئيس روزفلت إلى إدخال المملكة العربية السعودية فيه كدليل على حسن النوايا تجاهها ) .

أهمية المنطقة بالنسبة للأمريكان قديماً:

ويكفي أن تعرف أهمية المنطقة بالنسبة للأمريكان من بعض تصريحات قادتهم قديماً حيث يقول ( جيمس رورستال ) وزير الدفاع الأمريكي عام 1364هـ 1945م كما نقلت عنه مجلة الفكر الاستراتيجي العربي قوله ( خلال السنوات الخمس والعشرين المقبلة ستواجه الولايات المتحدة احتياطيات نفطية منخفضة انخفاضاً حاداً ، ونظراً لأن النفط ومشتقاته هي أسس القدرة على خوض حرب حديثة ، فإنني أعتبر هذه المشكلة واحدة من أهم المشاكل الحكومية ، والتي لا يعنيني أية شركة أو شركات أمريكية سوف تستثمر الاحتياطيات العربية ، لكنني أشعر بأقصى قدر من اليقين أنها يجب أن تكون أمريكية ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت