فهرس الكتاب

الصفحة 25337 من 27364

إن أمريكا الآن تسعى جاهدة لمحاصرة ما أطلق عليها وزير الدفاع ( بأوروبا العجوز ) ، وعلى رأسها فرنسا وألمانيا ، وتتركز هذه المحاصرة على دعم الديمقراطيات الأوروبية الجديدة ، وسعت أمريكا لاعتماد إدخال سبع دول من أوروبا الشرقية إلى حلف الناتو في الأسبوع الماضي ، وهي الدول التي وافقتها على غزو العراق كمكافئة لها ، كل ذلك من أجل كسب أكبر قدر ممكن من التأييد داخل الحلف للسياسة الأمريكية في المنطقة ، فأمريكا تحاول أن تشكل تكتلاً جديداً ، مؤيداً لها على الإطلاق في أوروبا ، على رأس هذا التكتل بريطانيا لتقوده لمواجهة بقية دول أوروبا الرافضة للتفرد الأمريكي ، وسوف تستغل أمريكا ضعف اقتصاديات هذه الدول الشيوعية السابقة لتنال الدعم والتبادل التجاري كي تقف في صفها ، لتقسم أوروبا إلى قسمين أوروبا العجوز وهي الرافضة للتفرد الأمريكي ، وأوروبا الحديثة وهي المؤيدة للتفرد الأمريكي ، وهذا التقسيم سيؤدي إلى تفريق دول أوروبا وإضعافها وإشغالها في نفسها مما سيسبب ضعفها الاقتصادي الذي سيعيد للاقتصاد الأمريكي شيئاً من عافيته ، وقد قابلت دول أوروبا العجوز هذا التقسيم الأمريكي لأوروبا ، بإنشاء تكتل عسكري جديد ذكرنا تفاصيله في الحلقة الماضية تقوده فرنسا وألمانيا وبلجيكا ، وهذه الغطرسة الأمريكية دفعت روسيا والدول المستقلة عن الاتحاد السوفيتي إلى إنشاء تكتل آخر لمواجهة التوسع الأمريكي في منطقة نفوذها ، فهذه السياسة الأمريكية المتغطرسة أعادة تقسيم التحالفات العالمية ، وربما تشهد السنوات القادمة حرباً باردة جديدة أو حرباً عالمية مع هذه التكتلات .

وفي إطار حملة الغطرسة الأمريكية على العالم حذر وزير الخارجية الأمريكي باول ( فرنسا من أنها ستواجه عواقب معارضتها للحرب الأمريكية في العراق ، مشيراً إلى أن واشنطن ستنظر في كافة جوانب علاقتها مع باريس ، وقال: بأنها ستتحمل نتائج معارضتها الحرب على العراق ) ، وأكد البيت الأبيض أيضاً بعد تصريح باول بساعات ( أن الحكومة الفرنسية ستواجه(عواقب ) نتيجة موقفها ، وأكد أن معارضة فرنسا الشرسة للولايات المتحدة للحرب على العراق قبل أسابيع من الحرب لن تبقى دون عقاب ) .

هذه هي بعض ملامح السياسة الأمريكية في العالم وتجاه المنطقة خاصة ، وهذه الملامح لم تظهر بعد حرب العراق ولا بعد سبتمبر ، بل إنها ظهرت إبان الحرب الباردة ، وتزايدت وبرزت ملامحها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ، وهي منذ ذلك اليوم في ازدياد متسارع تواكب تسارع التطور العسكري الأمريكي ، وقد أوضحنا في الحلقة الماضية الاستراتيجية العسكرية الأمريكية، وفهمها يساعد على فهم ملامح السياسة الأمريكية جيداً ومراحل تطورها .

نموذج العراق رسالة تهديد لبقية دول المنطقة:

ولكننا نعود ونقول بأن المنطقة بعدما زال منها نظام صدام واحتلت أمريكا العراق ، فقد دخلت في مرحلة جديدة ، لن تتجنب آثارها السيئة إلا إذا عملت بكل قوة على ضرب الوجود الأمريكي في العراق ، واستنزفته بحرب عصابات شرسة ، فخطرها في حال تمكنها من العراق خطر عام شامل على جميع المنطقة وعلى كافة الاتجاهات ، فبعبارة أدق لقد دخلت المنطقة في مرحلة انقلاب كبير ، وقد وضعت الأنظمة العربية العميلة أمام ضغوطات وتحديات عديدة لم تكن تحسب لها حساباً ، لأن التحديات الجديدة ستكون بمثابة تغييرات جذرية في المنطقة ، كانت الدول العربية تساعد العدو الصليبي لضمان بقائها ، ولكنها لم تشعر أنها ستكون ضمن الخطة في فترة من الفترات ، وهاهو الدور اليوم على النظام السوري وهاهي المنطقة تستعد لتودع بشار الأسد ، فهو بين أمرين إما أن يودع المنطقة ، أو يقرر أن يعمل كسفير للولايات المتحدة في سوريا ، فرؤساء الدول جميعاً اليوم بين أمرين إما أن يخلع بأية طريقة ، أو يقرر أن يعمل كسفير لأمريكا في دولته كما هو حال الرئيس القطري وغيره ، ومشروع ( خريطة الطريق ) التي وضعتها اللجنة الرباعية ( الأمم المتحدة ، والاتحاد الأوروبي ، والولايات المتحدة ، وروسيا ) ، ما هي إلا نموذج جديد من المرحلة الأمريكية الجديدة ، حيث ستطبق في فلسطين وبعدها سوف يعمم النموذج على بقية دول المنطقة ، وكلما زادت الضغوط الأمريكية نحو التغيير الجذري في المنطقة ، فسوف تزيد ضغوط الدول العربية على شعوبها لتطبيق النموذج الأمريكي المنشود الذي لم يعد يرفضه سوى الشعوب الإسلامية فقط .

فمن الواضح أن السياسة الأمريكية اليوم تحاول جاهدة أن تجني ثمرة تفوقها العسكري والاقتصادي بأسرع وقت وبأكبر قدر ممكن ، حتى تصبح هي كل شيء في العالم وتتحكم في ثرواته ومصيره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت