فهرس الكتاب

الصفحة 25612 من 27364

[4] حَكَم الله - جل جلاله - بالكفر على من والى الكافرين وظاهرهم على المسلمين، فقال - تبارك وتعالى-: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين ) ) [سورة المائدة: 51] ، قال ابن جرير:"ومن تولاّهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملّتهم؛ فإنه لا يتولى متولٍ أحداً إلا وهو به - وبدينه وما هو عليه - راضٍ، وإذا رضيه ورضيَ دينه فقد عادى ما خالفه وسَخَطَه وصار حكمُه حكمَه"، قال - عز وجل: (( ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنّ كثيراً منهم فاسقون ) ) [سورة المائدة: 80-81] ، وقال - تبارك وتعالى: (( بشّر المنافقين بأنّ لهم عذاباً أليماً * الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإنّ العزة لله جميعاً ) ) [سورة النساء: 138-139] ، وقال - عز وجل: (( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من أهل الكتاب يرُدّوكم بعد إيمانكم كافرين ) ) [سورة آل عمران: 100] ، وهذا من صميم الولاء والبراء يشهد لذلك قوله - تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردّوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين * بل الله مولاكم وهو خير الناصرين ) ) [سورة آل عمران: 149-150] .

[5] أبان الله - تعالى - مقدار العداوة التي يُكنّها الكفّار للمسلمين، والتي لا يمكن أن تخالطها محبّة؛ لأنها عداوة في الدين، كما قال الشاعر:

كلُّ العداوات قد تُرجى مودتها*** إلا عداوةَ من عاداك في الدينِ

وأوضح - تبارك وتعالى - لعباده المسلمين أنّ الكفار لن يرضوا عنهم حتى يفارقوا دينهم الحق، ويكونوا أتباعاً للدين الباطل فقال - سبحانه: (( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتّبع ملتهم ) ) [سورة البقرة: 120] ، وقال - عزّ وجلّ: (( ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواءً ) ) [سورة النساء: 89] ، وقال جلّ جلاله: (( ودّ كثير من أهل الكتاب لو يرُدّونكم من بعد إيمانكم كفّاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبيَّن لهم الحقّ ) ) [سورة البقرة: 109] ، ومن ثَمّ جاءت الآيات تفضح الذين يُلقون إليهم بالمودة، والذين يسارعون فيهم، والذين يخشونهم، والذين يبتغون عندهم العزّة؛ لتنزع هذه الآيات من قلوب المسلمين تلكم العواطف الكاذبة، والصداقات الباطلة (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانةً من دونكم لا يألونكم خبالاً ودّوا ما عنتُّم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تُخفي صدورهم أكبر قد بيّنا لكم الآيات إن كنتم تعقلون * ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كلِّه وإذا لقوكم قالوا آمنّا وإذا خلوا عضّوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إنّ الله عليم بذات الصدور ) ) [سورة آل عمران: 118- 119] .

فيتبين مما سبق أنّ هذا الأمر عظيمٌ وجليل، أمر إيمانٍ وكفر، كما قال ابن كثير في تفسير قول الله - تعالى-: (( إلاّ تفعلوه تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير ) ) [سورة الأنفال: 73] ،"أي: إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين، وإلاّ وقعت فتنةٌ في الناس وهو التباس الأمر واختلاط المؤمنين بالكافرين؛ فيقع بين الناس فسادٌ منتشرٌ عريضٌ طويل" [تفسير القرآن العظيم: 2/435] .

فينبغي على المسلم أن يحتاط لدينه، وأن يراجع أمره، وأن يُخلص الولاء للمسلمين والبراء من المشركين، وصدق الله العظيم: (( قد كانت لكم أسوةٌ حسنةٌ في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنّا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده ) ) [سورة الممتحنة] .

ثالثاً: مكانة الولاء والبراء في السنة النبوية:

لقد جاءت نصوص السنة واضحةً جليَّةً في عقيدة الولاء والبراء، ويمكن بيان الهدْي النبويِّ في المعالم التالية:

[1] حدّد النبي صلى الله عليه وسلم الأُخوّة في الدّين رابطاً بين المسلمين كما جاء في صحيح مسلم: (المسلم أخو المسلم) ، وجاء في الصحيحين: (كونوا عباد الله إخواناً) .

[2] رتّب النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وجوب المحبّة والنصرة والتأييد بحيث (لا يُسلمه ولا يظلمه) (ولا يخذله) كما في حديث الصحيحين، وجاء في أحمد والترمذي: (والذي نفسي بيده لا تؤمنوا حتّى تحابّوا) ، وفي الصحيحين: (لا يؤمن أحدكم حتى يحبُّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه) ، وورد في أبي داود: (المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم، ويُجير عليهم أقصاهم، وهم يدٌ على مَن سواهم) ، و (المؤمن أخو المؤمن يكفّ عنه ضيعته، ويحوطه من ورائه) ، وفي مسلم: (المسلمون كرجل واحد إذا اشتكى رأسه اشتكى كلّه، وإذا اشتكى عينه اشتكى كلّه) ، وفي الصحيحين: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً) ، قال الحافظ ابن رجب:"إنّ الأخ من شأنه أن يوصل لأخيه النفع، ويكفّ عنه الضر، ومن أعظم الضرر الذي يجب كفّه عن الأخ المسلم: الظلم" [جامع العلوم والحكم: 441] ، وقال يحيى بن معاذ الرازي:"ليكن حظّ المؤمن منك ثلاثة:"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت