فهرس الكتاب

الصفحة 25751 من 27364

أما الأحزاب السودانية فلها شأن آخر تماماً، شأن يشبه التنافس والتفنن في التملق للحركة ومن يقف وراءها؛ إذ إنها تبدي شجاعة نادرة في عقد الاتفاقيات والمبادرات ومذكرات التفاهم مع حركة التمرد لمجرد كسب مناورة سياسية أو تكتيك ظرفي أو مكايدة حزبية كأنما ليس لتلك الأحزاب أي مبادئ أو ثوابت يمكن أن تخسرها؛ فهي على استعداد دائم للمساومة على أي شيء مهما بلغت درجته؛ فبعد سقوط نظام (مايو) توصل (التجمع الوطني لإنقاذ الوطن) لاتفاق مع حركة التمرد في مارس 1986م سمي بـ «إعلان كوكادام» نص على ضرورة إلغاء قوانين الشريعة التي أعلن عنها النميري، وفي نوفمبر 1988م أبرم الحزب الاتحادي الديمقراطي ما عرف بـ «مبادرة السلام السودانية» واتفق فيها على تجميد العمل بأحكام الشريعة الإسلامية أيضاً، ومن المفارقات المدهشة أن الحزب الاتحادي حينما كان يمجد (المبادرة) ويتغنى بمحاسنها كان طرفها الآخر يقيم ندوة في «مركز بروكنز» بواشنطن بتاريخ 9/6/1989م تحت عنوان: «الحرب الأهلية في السودان وآفاق الثورة» قال فيها العقيد المتمرد «قرنق» : «إن هدف الحرب في الجنوب هو القضاء على الأقلية العربية المزيفة» ، وقال عن اتفاقيتي كوكادام والميرغني: «إنها تكتيكات مكملة للثورة» . وعندما سأله أحد الصحفيين: لكن هذه الزعامات الشمالية وقعت معكم على اتفاق السلام؛ فلماذا الحرب إذن؟ أجاب قرنق: «لا خيار لهم سوى ذلك؛ هذه حركة التاريخ: إما أن يذعنوا لها، أو سوف يسحقون! » .

أما حزب الأمة فقد وقع أيضاً مع الحركة «اتفاق شوكدوم» عام 1994م، وكان فصل الدين عن الدولة أحد بنوده، ثم خرج بعد ذلك «إعلان أسمرا» في يونيو 1995م بين فصائل «التجمع الوطني» والتمرد تضمن هو الآخر فصل الدين عن الدولة ومنع قيام أي حزب على أساس ديني، وفي أكتوبر 1996م تولى «قرنق» رئاسة قوات التجمع الوطني الديمقراطي، ولكن الأمر أخذ بعداً جديداً بعد توقيع «مذكرة تفاهم» بين التمرد والمؤتمر الشعبي الذي يقوده الدكتور حسن الترابي في 19/2/2001م، والذي صرح في مؤتمر صحفي عقب إعلانه لهذا الاتفاق: «إن الخلاف بين المؤتمر والحركة الشعبية في قضية فصل الدين عن الدولة ليس خلافاً استراتيجياً» ، وقال: «إن جون قرنق ليس بذلك العلماني المتطرف» ، وهذا الموقف هو نتاج طبيعي لأزمة حادة في البناء الفكري والأداء السياسي، وفي فقه الوسائل والغايات عند كثير من الحركات التي ترفع شعارات إسلامية. «أزمة حقيقية» أن تعيش تلك الحركات للحظتها وظرفها فقط مبتورة عن الماضي الذي تهتدي به والمستقبل الذي تبني له، «مصيبة» أن تحسم القضايا الكبيرة بعقلية الثأر الشخصي والكيد للآخرين، وبغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.

وجملة القول أن الرابح الوحيد من هذه الاتفاقيات هو حركة التمرد بينما تتسابق الأحزاب في تكميل برنامج الحركة الثوري، والإذعان التام لمطالبها، وإصدار شهادات الإشادة لها حيناً بعد حين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

الدور اليهودي:

من الناحية التاريخية كان السودان من بين الدول المرشحة لتوطين اليهود قبل فلسطين؛ فقد كتب اليهودي «واربورت» الخبير بشؤون الفلاشا عام 1900م اقتراحاً إلى اللورد «كرومر» في القاهرة بذلك، وقدّم يهودي آخر هو «أبراهام جلانت» نفس الاقتراح عام 1907م إلى رئيس (المنظمة الإقليمية اليهودية J. T. O) (1) . إذن فقد كان السودان محط اهتمام يهود منذ الشتات ولكن كان من المؤكد أن الاهتمام اليهودي بالسودان سينهمر على الجنوب، على صنيعة القوى الصليبية هناك؛ حيث ستجد الأرضية المهيأة لتحقيق أطماعها في السيطرة على منابع النيل وإيفاء وعد إسرائيل الكبرى، وقد أدركت الحركة الشعبية لتحرير السودان ذلك جيداً، فتفانت في نسج خيوط التقارب والتعاون معها، وبدأت زيارات زعمائها تتكرر إلى إسرائيل، واستطاعت إسرائيل أن تدرب حوالي عشرين ألف مقاتل متمرد على حدود أوغندا الشمالية، وأن تقيم جسراً جوياً إلى مناطق التمرد في مارس 1994م، كما أنها توفد باستمرار خبراءها العسكريين لمساعدة المتمردين. إن أواصر هذا التعاون تظهر بصورة أكبر حين نعلم أن من بين قادة التمرد (ديفيد بسيوني) اليهودي الأصل (2) ، والذي كان مرشحاً لرئاسة حكومة «الجنوب» التي أعلن عن تكوينها التمرد في أبريل من هذا العام 2001م، وفي أواخر العام الماضي أعلن متحف محرقة ضحايا النازية «الهولوكوست» في نيويورك تضامنه مع الجنوبيين المسيحيين وقال: إنهم يتعرضون للإبادة الجماعية والتطهير العرقي. وكون لجنة تعرف بـ «لجنة الضمير» يرأسها اليهودي «جيري فاولر» لهذا الغرض، وأقامت اللجنة معرضاً ملحقاً بالمتحف عن «مآسي حرب الجنوب» كما يبذل اللوبي اليهودي مع اليمين الديني ضغطاً منظماً على الإدارة الأمريكية ومجلس الشيوخ لتبني مشروع حركة التمرد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت