فهرس الكتاب

الصفحة 25752 من 27364

بقي أن نشير هنا إلى طرفة سياسية ـ إن صح التعبير ـ تسوِّغ أو تدعم هذا التحالف مع اليهود وهي عبارة عن دراسات ومقالات منها ما كتبه جنوبي اسمه «بول فاك» بعنوان: «نظرة تاريخية لثقافات الدينكا وتراثهم» تتحدث عن أن القبائل النيلية ترجع إلى أصل «جيل Jiel» الذي ربما ينحدر من نسل يعقوب - عليه السلام -؛ ومن ثم فهي قبائل سامية ذات أصل إسرائيلي!! (1) ؛ وبغضِّ النظر عن ثبوت هذه الدراسات فإن حركة التمرد تعمل بجد على الفوز بوضع يماثل وضع إسرائيل على خريطة الدعم والمساندة الأمريكية وإن لم يتم قبلوهم بوصفهم ضمن شعب الله المختار!

الدور الأمريكي المنتظر:

يبتدئ دور أمريكا البارز مع حركة التمرد عندما انهار الاتحاد السوفييتي وسقط «نظام منجستو» وتخلت الحركة عن مشروعها الشيوعي عام 1991م (2) ، وهو يتمثل على صعيدين:

أولاً: من خلال المؤسسات والمنظمات الطوعية وأيدي العمل الخفية، والدعم السري للحركة، وهو عطاء سخي لم ينقطع، ويجري برضى الإدارة الأمريكية وتحت بصرها.

ثانياً: عبر الدبلوماسية الرسمية والسياسات العلنية للحكومة؛ وهذه تقع تحت تأثير اللوبي الصهيوني واليمين الديني المتشدد الذي يرعى سيادة الصليب على العالم، ويحمي الحقوق النصرانية بآلة الدمار الأمريكية. لقد أعلن بوش الابن في 22 مارس من هذا العام قائلاً: «سنتصدى لحفظ كرامة الإنسان وضمان الحريات الدينية في كل مكان في العالم من كوبا إلى الصين إلى جنوب السودان» . وقال أيضاً في 3 /5/2001م: «إن الحريات الدينية هي أكثر ما يتعرض للانتهاك في السودان» . ومن غير المعقول ولا المعهود أن يقصد بـ «الحريات الدينية» أي دين آخر غير النصرانية، وهي لهجة صليبية متعصبة ربما لو صدرت عن أحد الحكام أو القيادات المسلمة لأثارت زوبعة انتقادات عنيفة، وعدت خروجاً سافراً عن مهام الدولة وأدب الدبلوماسية.

إن ما هو منتظر من أمريكا لن يخرج عن صميم دينها وثقافتها التي تحرص بكامل عتادها على نشرها والتمكين له، وإن لبست مسوح الزهاد وتظاهرت بالحياد. إنها لا تجرؤ على تخطي مؤسسات الضغط الصليبية والصهيونية والخط العريض من النصارى الملتزمين، وهي لا تملك أن تتخلى عن المسؤولية التاريخية في نصرة أتباع ملتها الذين يمثلون الامتداد الطبيعي لمصالحها ومشاريعها في أنحاء الأرض، ولن تكون أمريكا أبداً أقل تعصباً لدينها أو حمية لنصرانيتها من مورثتها بريطانيا التي عقدت مشكلة الجنوب وحرفتها إلى حرب صليبية ضد الإسلام يوم كانت تملك كل أوراق الحل؛ فكيف بأمريكا اليوم وهي لا تملك إلا بعضها؟

ومما لا ريب فيه أن القوى الصليبية التي تبدو كأنها تدق أجراس حرب جديدة لن تكتفي أبداً باستثناء أقاليم الجنوب من تطبيق الشريعة ولو كان تطبيقها أصلاً على نحو متساهل، ولن تكتفي باستضافة زعماء الكنائس العالمية كما حدث للبابا في 10/2/1993م الذي أقام في السودان لمدة تسع ساعات، واجتمع بالنصارى في ساحة المناسبات الرسمية بوسط العاصمة، وأدوا طقوسهم بكامل الحرية، ولن تكتفي تلك القوى بإلغاء قانون الهيئات التبشيرية في 4/ 10/1994م، وهو قانون أصدره الرئيس السابق إبراهيم عبود للحد من النشاط الكنسي ونفوذ الإرساليات، ولن ترضى أيضاً بإقامة مؤتمر حوار الأديان في 7/10/1994م وما تمخض عنه من جمعيات ودراسات تدعو «للمذهب الإبراهيمي» ، ولن يرضيها إدخال القسس والنصارى في قيادة الحزب الحاكم والدولة. لن ترضى عن كل ذلك وأكثر من ذلك لسبب بسيط هو أن ذلك سيغدو «خطوات استعراضية» ليس إلا، ووزير الخارجية الأمريكية كولن باول «يريد خطوات عملية جادة وليست خطوات استعراضية» كما صرح في أواخر أبريل من هذا العام الفائت، ولم يبق للوزير الأمريكي إلا أن يقرأ علينا قوله - تعالى: { وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } [البقرة: 120] ، وحينها فقط يمكن أن نضع النقاط على الحروف، ونبحث عن أطراف المؤامرة. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

(*) الخرطوم ـ السودان.

(1) مشروع تنصير السودان في الماضي والحاضر، د. حسن مكي، إصدار المركز الإسلامي الإفريقي، عام 1411هـ ـ 1991م، ص 44.

(2) التنوع العرقي والسياسة الخارجية، د. محجوب الباشا، مركز الدراسات الاستراتيجية، 1418هـ، ص 86، والإسلام والعروبة، د. عون الشريف قاسم، دار الجيل 1409هـ، ص 12.

(3) البعد الديني لقضية جنوب السودان، دكتور عبد اللطيف البوني، مركز الدراسات الاستراتيجية، 1996م، ص 11، وهو ما أخرجه السياسي الجنوبي فرانسيس دينق في كتابه: «صراع الرؤى: نزاع الهويات في السودان» ، مركز الدراسات السودانية، 1999م، ص 52، 244.

(4) مشروع تنصير السودان، ص 21، ص 46.

(1) مشكلة جنوب السودان: خلفية النزاع، دار الجيل، 1983م، الدكتور محمد عمر بشير، ص 47.

(1) مشروع تنصير السودان، ص 35، 46.

(2) السودان في عهد الحكم الثنائي، لبيب رزق، ص 209، نقلاً عن «البعد الديني لقضية جنوب السودان» ، ص 12.

(3) مشروع تنصير السودان، ص 54، 65.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت