فهرس الكتاب
لقد وصف البعض بأن ما حدث كان اغتيالاً سياسياً، و انتقاماً طائفياً عطل صورة العدالة التي تحفظ للجميع حقها في الاقتصاص من صدام دون تمييز، في دولة كان يُفترض أن تكون مدنية. و هو انتقام لأكثر من حادثة تاريخية و بنفس الطريقة، و هذا الانتقام هو مشهد يصور"نسقية المعارضة", يقول الشيخ عبدالرحمن البراك:""اختيار يوم العيد لقتله يظهر أنه مضاهاة لقتل أميرٍ من أمراء دولة بني أمية وهو خالد القسري للجعد بن درهم -إمام المعطلة- إذ قتله يوم عيد الأضحى وقال: ضحّوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍٍّ بالجعد بن درهم فإنه يزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ولم يكلم موسى تكليماً، فنزل من المنبر فذبحه.. والرافضة تُوالي الجهمية المعطلة، ولهذا اعتنقوا مذهب المعتزلة"."
لكن موقف بعض أهل السنة كشف تماماً عن"نسقية المعارضة"التي أدنّا بها الشيعة، فهذه الفئة كانت تستنكر على كل من دعم الشيعي نصر الله في حربه الأخيرة على إسرائيل. و اعتبروا ذلك موقفاً متخاذلاً مع المنهج، فأولئك الذين دعموه رأوا أن هجومه على إسرائيل يستحق الدعم و التأييد و الثناء، لكن هذه الطائفة من أهل السنة اعتبرت أن موقف نصر الله لا يحمل أي دلالة على أي خير، و أنه من باب ضرب الظالمين بالظالمين. لكن هل أثبت هذا المنهج اطّراده؟
الحقيقة أن هذا المنهج لم يطّرد، فعندما تغير الحدث و انقلبت الأدوار نجد أن ما يتهم به المعارض الآخر هو نفس"العيب النسقي"المتجذر فيه قبل غيره، و هذه هي"نسقية المعارضة". فقد جاء على لسان أحد المشائخ ما معناه:"و صدام على الرغم من ظلمه، إلاّ أن حسناته كثيرة، يكفي أنه وقف أمام المد الصفوي و الغزو الصليبي!!". و هذا العيب النسقي اعترض عليه شيخ الإسلام رحمه الله حين حذر من هذا الأسلوب في المواجهة, فانتقد الذي استفزتهم الخصومة مع الشيعة"فقابلوا باطلاً بباطل، و ردود بدعة ببدعة" (مجموع الفتاوى 4\513) . و ليست هذه المرة التي يظهر فيها هذا التعارض، فهم لا يحسبون لجمال عبدالناصر حربه على إسرائيل، و الذي نقل مؤرخه محمد حسنين هيكل أنه كان متديناً، لكنهم يناقضون أنفسهم هنا ليعتبروا صدام بطلاً وقف لسنوات طويلة أمام المد الصفوي!! و هذا ما يدل على عيب نسقي متجذر.
و هذا يُقال أيضاً عن كل المحاولات التبريرية التي تحاول حجب الشمس بغربال، بل كان بعضهم يتحدث عن سنوات صدام الأخيرة حتى شككت أنهم يتحدثون عن الحسن البصري -رحمه الله تعالى- و بدأت النزعة التسويغية، و هذه نزعة نسقية تظهر دائماً في مثل هذه المواقف و بأشكال متعددة للأسف. و قد وجدت أن أحدهم قام بمعاتبة الشيخ البراك مذكراً إياه -بطريقة انتقائية- انتصار بعض أهل السنة للحجاج بن يوسف الثقفي، لكنه جهل أن الشيخ البراك معروف بانتصاره لمنهج شيخ الإسلام بن تيمية الذي قال:"نحن إذا ذُكر الظالمون كالحجاج بن يوسف و أمثاله نقول كما قال القرآن: (ألا لعنة الله على الظالمين) ، و لا نحب أن نلعن أحداً بعينه. و قد لعنه -يعني الحجاج- قوم من العلماء، و هذا مذهب يسوغ فيه الاجتهاد. لكن ذلك المذهب أحب إلينا و أحسن. و أما من قتل الحسين و أعان على قتله أو رضي بذلك فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً و لا عدلاً" (مجموع الفتاوى 4\487) .
يقول الأستاذ محمد المختار الشنقيطي:"و ما كان شيخ الإسلام بالذي يدافع عن رجل مثل الحجاج ارتكب من المظالم و الفظائع ما لا يعلمه إلاّ الله، بل ورد عنه ما يفيد استحلالها و العياذ بالله:"عن عاصم قال: سمعت الحجاج و هو على المنبر يقول: ...و الله لو أمرت الناس أن يخرجوا من باب من أبواب المسجد فخرجوا من باب آخر لحلت لي دماؤهم و أموالهم. و الله لو أخذت ربيعة بمضر لكان لي ذلك من الله حلالاً..." ( الألباني صحيح سنن أبي داوود 3\878) "
و التناغم مع المنهج و الحفاظ عليه ظهر جلياً في موقف الشيخ البراك حينما قال:""صدام أحد قادة حزب البعث العربي، والمعروف أن حزب البعث يقوم على مبادئ جاهلية وإلحادية، ولم يُعلم أن صداماً أعلن براءته من حزب البعث بعد احتلال الأمريكان للعراق، ولا قبل ذلك. وعلى هذا فنفوض أمر صدام إلى الله ولا نحكم عليه فيما بينه وبين الله". وأضاف الشيخ البراك: إن"أهل السنة غير آسفين على قتل صدام حسين". و قال:"لا نترحم عليه؛ ولا نصلي عليه لو قُدم للصلاة عليه؛ لأن كل ما أظهره لا يدل على انتقاله من زعامته لحزب البعث والإيمان بمبادئه"."