فهرس الكتاب

الصفحة 25812 من 27364

ونلاحظ أن كثيراً من الحقائق يغيبها كروسيه حيث يتحدث مثلاً عن وقعة عمورية، ويبدي حزنه الشديد لأنه حسب ما يكتب يرى في أبعاد المعركة انتهاكاً لحقوق الصليبيين الدينية، يقول: في عام 1838م اقتحم المسلمون مدينة آموريوم الواقعة في قلب فيريجيا، وانتهبوها، وأما قادة حاميتها البيزنطية فقد أبقوا في الأسر مدة طويلة، ثم صدر الأمر بإعدامهم لرفضهم اعتناق الديانة الإسلامية عام 845م، وقد اشتهر هؤلاء باسم شهداء أموريوم الاثنين والأربعين، وتوضح هذه الحادثة بجلاء كيف أن تلك الحروب القديمة بين المسلمين والبيزنطيين يمكن اعتبارها بشكل أو بآخر بمثابة حروب صليبية باكرة، وهنا يبدو التعصب التاريخي المنحاز للغرب، فالحقائق تُخفى وتجرد الحوادث التاريخية من أسبابها.

فمدينة أموريوم ( عمورية ) التي عرفت رداً إسلامياً قاسياً من قبل المسلمين على انتهاك حرماتهم وأراضيهم، فالرومان هاجموا مدينة زبطرة العربية واستباحوها، ووقعت في أسرهم النساء، ومنهن امرأة هاشمية صرخت وامعتصماه، ولما وصل الخبر الخليفة العباسي رد على الرومان بأن غزا عمورية بجيش قوامه ستون ألفاً.

أما قصة إعدام الحامية البيزنطية وعدد أفرادها اثنان وأربعون عنصراً لأنهم لم يعتنقوا الدين الإسلامي فهي قصة تفتقد إلى دقة الخبر وصحته، فهذه الحامية كما تذكر كتب التاريخ لم تكن سوى ضباط وجنود رومان ظلوا سبع سنوات وهم معتقلون، وجرت مفاوضات لتبادلهم مع بعض الأسرى المسلمين الذين ظلوا في السجون البيزنطية سنوات، وقد حاول الرومان التأثير عليهم لتنصيرهم حتى لو كان عن طريق القوة، ولما لم يستجيبوا نفذ حكم الإعدام ببعضهم، ولما علم المسلمون بذلك نفذوا حكم الإعدام ببعض أفراد تلك الحامية الرومانية.

وجرياً على عادة تغيير الحقائق فقد قال كروسيه عن أحداث 1009 ـ 1010م إن كنيسة القبر المقدس (أي القيامة) بالقدس هُدمت وسويت بالأرض بأكملها تقريباً وذلك من قبل الخليفة الفاطمي، وتغافل كروسيه أن كنيسة القيامة كانت تخص المسيحيين العرب وليس المتنصرين الغربيين، وهذه الحادثة لم تحدث قط، ولكن كروسيه الذي يمهد للحروب الصليبية يضع منذ البداية حكايات غير واقعية مبرراً من خلالها ما قام به الصليبيون عندما اقتحموا مدينة القدس، وفتكوا بأهلها.

وحين يغوص في التبريرات يرى أن الحملات الصليبية المتتالية ليست إلا رداً على اقتحام المسلمين بعض السواحل الإيطالية، والجزر الغربية القريبة منها، فيقول مثلاً"وقامت إحدى فرق المسلمين بعملية اتصفت بجرأة واجتراء خارقين، تمكنوا فيها من الإغارة على كنيسة مار بطرس الكبرى في قلب روما عام 846م".

وبمعنى آخر لم تكن الحروب الصليبية سوى رد دفاعي على المسلمين خاصة المسلمين الذين انطلقوا من تونس والجزائر لغزو السواحل الجنوبية الإيطالية، وجزيرة صقلية، وسردينيا وغيرها حسب قول المؤرخ المستشرق كروسيه، فإذا كانت الحروب الصليبية رداً دفاعياً فلماذا ظل الصليبيون قابعين حوالي مائتي عام في بعض المدن والمناطق العربية؟ كطرابلس، والرها، وأنطاكية، ولماذا ظلوا في القدس محتلين أكثر من تسعين عاماً؟ لماذا أقاموا ممالك وإمارات في المناطق التي احتلوها، وأبادوا سكانها؟ فالحروب الصليبية لم تكن حروباً دفاعية، إنما هي حروب هجومية احتلالية، همجية دموية.

وحينما ننظر إلى منهج آخر من مناهج المستشرقين نرى ميخائيل زابوروف يتصدر المستشرقين السوفيات في تناوله للحروب الصليبية.

رينيه كروسيه يصور الصليبيين بالأبطال كونهم تصدوا في البدايات للجيوش الإسلامية، وأوقفوا زحفها كما يقول، أما زابوروف فيصورهم على حقيقتهم منطلقاً من موقف إنساني موضوعي واقعي صحيح، فيقول مثلاً عند تقدم جيوش الصليبيين حول أسوار القدس:

"إن حمامات الدم، وعمليات النهب الشاملة المقترفة في القدس قد حجبت المآثم والوحشيات المقترفة في أنطاكية".

ويصف المشهد قائلاً:"والمجازر وعمليات النهب والسلب تخللتها الصلوات المحمومة أمام قبر السيد المسيح، ومن الصلوات كان الفرسان ينتقلون في الحال إلى الأعمال الدموية، كانوا يقتلون الجميع من رجال ونساء، وأطفال وشيوخ، وأصحّاء ومقعدين، وفي المسجد الأقصى ذبح الصليبيون ما لا يقل عن عشرة آلاف شخص، وهذا العدد يذكره على كل حال شهود العيان اللاتين"،"ولم يكن ثمة مكان كان بوسع المسلمين أن يتحاشوا فيه القتلة، وكانوا يسحقون رؤوس الرضع على الحجارة".

أما منطق رينيه كروسيه فهو منطق الغرب الذي خبرناه على مدى الزمن الاستعماري الذي حلّ في بلادنا العربية.

فيقول كروسيه في وصفه لاحتلال القدس:"وهكذا تم سقوط القدس بأيدي الصليبيين إثر اقتحام مروّع بذل فيه كودمزواري بديون كل قواه، وعرض نفسه للموت بجسارة، ولكن أعقب ذلك - مع الأسف - مذبحة بشعة لسكان المدينة من المسلمين، وكانت آثار هذه المذبحة لا إنسانية وفاسدة سياسياً، فإن مسلمي القدس كانوا من النوع الذي يشكل عقبة كأداء أمام الفاطميين لاحتلال باقي مدن الساحل الفلسطيني".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت