فرينيه كروسيه يمجد بطولة قائد الحملة، ويصف عمله بالجسارة، ثم يحلل المذبحة واحتلال القدس فيقول: إن المعركة خاسرة لأن أهل القدس كانوا معارضين للفاطميين في مصر، ولم يتحدث عن المجزرة المروعة إلا بهذا الاقتضاب العابر.
ويرى زابوروف أن مؤرخي هذه الأحداث من الغربيين يصفون هذا الحدث بقدر متفاوت من الإسهاب والتفصيل، ويتحدثون بتفاصيل طبيعية عن أعمال جنود الرب التي تبدو لهم جديرة بالمديح والثناء.
ويوضح زابوروف غاية من غايات الحروب الصليبية حيث يقول:"فبعد فتح الرملة التي صارت أسقفية أخذت ترتفع بينهم أصوات تطالب بالتوجه إلى مصر وبابل، وينقل مدونو الأخبار هذه المشاريع الخيالية التي تزاحمت في رؤوس أشد جند المسيح جشعاً وغروراً، وكأنهم نسوا مساعدة الإخوان المسيحيين، ولم يكونوا يفكرون إلا بإمكان فتح كثير من الممالك".
وحين يتحدث المستشرقون عن موقعة حطين، وتحرير بيت المقدس على يد صلاح الدين والجيش الإسلامي تبرز بعض الموافقات والتطابقات في الرواية، إلا أن الاختلاف يقع في النظرة الاستراتيجية للحدث برمته.
فرينيه كروسيه اعتبر معركة حطين كارثة، وأن تحرك صلاح الدين كان عبارة عن اقتناص للمدن الفرنجية على حد قوله.
أما لغة زايوروف فإنها تجاري الحق والواقع حيث قال:"كان انتصار صلاح الدين في حطين مقدمة للنجاحات التي أحرزها المسلمون فيما بعد".
وفي الحديث عن صلاح الدين ومعاملته للناس عندما فتح مدينة القدس واستعادها من أيدي الصليبيين فتتقارب الآراء كثيراً، ويبدو أن معاملة صلاح الدين التي شهدها الأعداء قبل الأصدقاء لم يكن بمقدور أحد أن يخفيها.
فرينيه كروسيه يقول:"ولقد سمح صلاح الدين بأريحية كريمة تنم عن روح الفروسية العالية لسكان القدس من المسيحيين بمغادرة المدينة المقدسة، والجلاء عنها بحرية وسلام، كما أنه رفض رفضاً قاطعاً تهديم كنيسة القبر المقدس".
أما زابورف فيقول:"برهن صلاح الدين أنه رجل دولة حكيم، فعامل القدس وسكانها معاملة أرق وأخف بكثير مما عاملهم الغزاة الصليبيون حين انتزعوا المدينة من حكم مصر قبل ذلك بنحو مئة عام، فلم تقع قساوات لا معنى لها، ولم تحدث تدميرات".
في هذا الإطار يمكن لنا أن نتعرف على منهجين استشراقيين تناولا الحروب الصليبية، ولكلٍ منهما وجهة نظر مختلفة، وهذا الاختلاف يتجلى في الموقف من هذه الحروب، ومن أهدافها، وعليه فإن اختلافاً يقع في التسميات والمصطلحات، وكذلك في وصف الأمور من خلال الهوى النفسي أحياناً، ومن خلال الخلفية الفكرية والتاريخية لكل منهج.