وفي المشرق لم يكن للخليفة إلا قصره فقط، وليس له من الأمر شيء، وتحكم الخدم في العزل والتعيين كما قال الشاعر:
ومليك في قفص ***بين وصيف وبغا (6)
يقول ما قالا له ***كما تقول الببغاء
فنجد البويهيين في إيران، والفاطميين - العبيديين - في مصر، والحمدانيين في الجزيرة، وأكثر المدن لها شبه استقلال، وهذه الدويلات المتنازعة لا تملك مقومات الدول، وصدق الشاعر في قوله:
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا ***وإذا افترقن تكسرت آحادا
2 -التنازع على الحكم، وتولي من ليس بأهل لها، وكثرة الانقلابات ومنازعة الحكام والخروج عليهم:
فحكامهم كما يقول المعري:
يسوسون الأنام بغير لب ***فينفذ أمرهم ويقال ساسة
ومن عجيب ما ذكر في ذلك: أن أمية بن عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار بن الناصر قام وتسور القصر، ودعا إلى نفسه، فقال له بعض أهل قرطبة: (نخشى عليك أن تقتل في هذه الفتنة؛ فإن السعادة قد ولت عنكم، فقال:(بايعوني اليوم واقتلوني غداً) (7) . وبهذه النفسية لدى العوائل الحاكمة يضحي أحدهم بكل شيء؛ لينال الإمارة، فيضحي بدينه، ويتحالف مع الأعداء النصارى ضد المسلمين، وقد يقتل أخاه، وقد يفعل أشياء لا تخطر بالبال لأجل الكرسي.
3 -الفساد الاقتصادي والفجوة الكبيرة بين الفقراء والأغنياء:
فبينما نجد ولائم كبار الدولة ووزرائها فيها من البذخ الشيء الكثير (8) ؛ نجد أن الفقر مستشرٍ فيها (9) حتى إن القاضي عبد الوهاب المالكي غادر بغداد من الفقر، وقال لمودعيه: لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين كل غداة وعشية ما عدلت ببلدكم أمنية، وفي ذلك يقول:
بغداد دار لأهل المال طيبة ***وللمفاليس دار الضنك والضيق
ظللت حيران أمشي في أزقتها *** كأنني مصحف في بيت زنديق (10)
وقال:
سلام على بغداد في كل موطن ***وحق لها مني سلام مضاعف
فوالله ما فارقتها عن قلى لها ***وإني بشطي جانبيها لعارف
ولكنها ضاقت علي بأسرها ***ولم تكن الأرزاق فيها تساعف (11)
4 -بعد الفقهاء عن السياسة، وقد قال شيخ الإسلام:
"وبسبب ضعف الفقهاء من العلم الكافي للسياسة العادلة وقع انفصام في المجتمع الإسلامي فصار يقال: الشرع والسياسة، هذا يدعو خصمه إلى الشرع وهذا يدعوه إلى السياسة، والسبب تقصير هؤلاء في معرفة السنة" (12) .
ورأى أحد الشعراء بعض أهل العلم في مكة يتباحثون في النحو والصرف فوبخهم بقوله:
أما تستحون الله يا معدن النحو ***شغلهم بذا والناس في أعظم الشغل
إمامكم أضحى قتيلاً مجندلاً ***وقد أصبح الإسلام مفترق الشمل
وأنتم على الأشعار والنحو عُكَّفاً ***تصيحون بالأصوات في أحسن السبْل (13)
5 -الباطنية ونخرهم في الجسد الإسلامي:
فقد حصل من الحشاشين في قلعة آلموت، والبويهيين في فارس، والقرامطة في الإحساء، والعبيديين في مصر ما يندى له الجبين من قتل للأرواح، وانتهاك للحرم، واغتيال للصالحين من العلماء والوزراء. وقد كانوا كثيراً ما يخذلون المسلمين، ويوالون النصارى عليهم (14) ، وأفعال القرامطة في الحرم المكي مما لا ينساه التاريخ فقد هدموا الكعبة، وقتلوا حولها أكثر من مائة ألف من الحجاج، وأخذوا الحجر الأسود إلى الإحساء وهذا لا يُتصور أن يصدر من مسلم. وأما العبيديون في مصر والشمال الإفريقي فقد قتلوا من أهل السنة الكثير، وأظهروا الرفض بالإكراه، وألزموا المؤذنين بأن يقولوا في الأذان: (أشهد أن علياً ولي الله وحي على خير العمل) ونشروا بدع القبور، وشجعوا العوام على تقديسها، كما أنهم تعاونوا مع الصليبيين ضد المسلمين، فقد قال ابن الأثير:"إن أصحاب مصر من العلويين لما رأوا قوة الدولة السلجوقية وتمكنها واستيلاءها على بلاد الشام إلى غزة، ولم يبق بينهم وبين مصر ولاية أخرى تمنعهم، خافوا وأرسلوا إلى الفرنج يدعونهم إلى الخروج إلى الشام ليملكوه، ويكونوا بينهم وبين المسلمين، والله أعلم" (15) .
واستولى الصليحيون على اليمن، والحمدانيون على أجزاء من الشام وهم من الرافضة، وإن كان لهم دور في محاربة النصارى لكن قتالهم إنما هو للدفاع عن أراضيهم وليس لغرض الجهاد (16) . فقد كان بين هذه الدول الباطنية تعاون لاتحادهم في المذهب، فعلى سبيل المثال نجد أن سيف الدولة الحمداني يساعد القرامطة في حربهم لكافور الإخشيدي مع ما عمله القرامطة من مخاز لا تجهل (17) .
6 -التجاوب الضعيف من المسلمين لنصرة إخوانهم المنكوبين: فعندما هاجم الصليبيون الرها سنة 361ه ألح الناس على بختيار البويهي (18) أن يقوم بواجبه، فماطلهم ولم يحصل منه شيء، وعندما استولى الصليبيون على القدس هام الناس على وجوههم فارين من وحشية العدو الصليبي، وخرج الفقهاء من بغداد ليندبوا الملوك على الجهاد، فلم ينفع سعيهم، وتجهز بعض الفقهاء في بغداد ومعهم جمع من المتطوعة سنة 504هـ للجهاد ثم رجع كثير منهم حين بلغهم كثرة الصليبيين، وعندما أرسل صلاح الدين رسالة إلى ملك المغرب يطلب منه المساعدة بأسطول بحري يقطع إمدادات الصليبيين القادمة عبر مضيق جبل طارق غضب؛ لأنه لم يخاطبه بأمير المؤمنين (19) .
7 -الاستنصار بالأعداء النصارى في النزاعات الداخلية: