فهرس الكتاب

الصفحة 25933 من 27364

ومن ذلك ما فعله عمارة اليمني الشاعر المشهور عندما كاتب الصليبيين لغزو مصر، واسترجاع الحكم الفاطمي، وفيه يقول الشاعر:

عمارة في الإسلام أبدى جناية ***وبايع فيها بيعة وصليبا (20)

وأمسى شريك الشرك في بغض أحمد ***فأصبح في حب الصليب صليبا (21)

وكان خبيث الملتقى إن عجمته *** تجد منه عوداً في النفاق صليبا (22)

سيلقى غداً ما كان يسعى لأجله ***ويسقى صديداً في لظى وصليبا (23) (24)

بوادر العودة:

في ظل تلك الأوضاع السيئة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم نجد أن العلماء تحركوا للقيام بما أوجب الله - تعالى - عليهم من إصلاح المجتمعات المسلمة، فكان لهم جهود لا تخفى لاستنهاض الأمة لتعود إلى الجهاد، ففي سنة 362ه اجتمع أبو بكر الرازي الحنفي، وأبو الحسن الرماني، وابن الدقاق الحنبلي بعز الدولة باختيار وحرضوه على غزو الروم الذين استولوا على الرها وبعض بلاد الشام، فبعث جيشاً إلى الشام فأظفره الله بهم، وقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وبعثوا برؤوسهم إلى بغداد فسكنت أنفس الناس (25) .

وقد كان للعلماء محاولات جادة في الإصلاح، فمنهم من اهتم بالجانب التنظيري فألف الكتب في معالجة مواضع الخلل عند المسلمين، ومنهم من اهتم بالإصلاح الشعبي فعقد المواعظ والدروس لإعادة الناس إلى الدين، ومن أمثلة الاتجاه الأول: الإمام الماوردي، والجويني، والغزالي، ومن أمثلة الاتجاه الثاني: الشيخ عبد القادر الجيلاني، وسبط ابن الجوزي. ونذكر أمثلة تمثل هذين الاتجاهين.

الجانب الأول: الإصلاح التنظيري بتأليف المؤلفات:

-ألف الماوردي (364 - 450) كتاب أدب الدنيا والدين في كيفية الجمع بين الدين والدنيا لمعالجة انحراف جهلة العباد والمتصوفة، وأهل الملذات ممن لا يأبه بحلال أو حرام. كما ألف الأحكام السلطانية؛ للمساهمة في إيضاح الأحكام الشرعية للسياسة.

-ألف أبو المعالي الجويني كتاب غياث الأمم في التياث الظلم؛ لإيجاد حلول شرعية للقضايا السياسية.

-ألف أبو حامد الغزالي (ت 505) كتاب إحياء علوم الدين؛ لإصلاح أحوال المسلمين (26) . وحيث إنه يعد أهم من ألف في تلك الحقبة وقد كان لكتابه صدى واسع بين المسلمين. وقد تميز علاجه لأحوال المسلمين بصفات منها:

1 -خلو كتاباته من التحريض على الجهاد واعتماده على النقد الذاتي، فهو يعالج القابلية للهزيمة بدل التباكي على مظاهر الهزيمة، وقد قال - تعالى:"وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير 30" {الشورى: 30} ، وقال - سبحانه:"وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون 129" {الأنعام: 129} .

2 -عزم الغزالي على أن يمضي إلى يوسف بن تاشفين سلطان المغرب، لما بلغه عدله وصلاحه؛ ليحضه على النهوض بدار الإسلام فبلغه موته وهو بالإسكندرية فقطع رحلته وعاد (27) .

3 -نقده للاتجاهات الباطنية والفلسفية التي أفسدت عقائد المسلمين.

4 -كثرة تبدله، نظراً لخبراته وقناعاته وبحثه عن الحق حتى مات وصحيح البخاري على صدره كما قال شيخ الإسلام - رحمه الله - وقد توفي وعمره 55 سنة، ولو كتب له فسحة في العمر لربما رأينا طرحاً آخر في منهج إصلاحه.

فمن نفيس أقواله:

قال:"أما الآن فقد قيدت الأطماع ألسن العلماء فسكتوا، وإن تكلموا لما تساعد أقوالهم أحوالهم فلم ينجحوا، ولو صدقوا وقصدوا حق العلم لأفلحوا، ففساد الرعايا بفساد الملوك، وفساد الملوك بفساد العلماء، وفساد العلماء باستيلاء حب الجاه والمال، ومن استولى عليه حب الدنيا لم يقدر على الحسبة على الأراذل فكيف على الملوك والأكابر" (28) .

يعيب على المسلمين ترك العلوم الدنيوية فيقول:"والفطن يعلم أنه لو كان غرض طالب العلم أداء حق الأمر في فرض الكفاية لقدم عليه فرض العين، بل قُدم عليه كثير من فروض الكفايات فكم من بلدة ليس فيها طبيب إلا من أهل الذمة... وهل لهذا سبب إلا أن الطب ليس يتيسر الوصول به إلى تولي الأوقاف والوصايا، وحيازة مال الأيتام، وتقلد القضاء، والتقدم على الأقران" (29) .

يعيب على بعض أغنياء المسلمين فيقول:"صنف حرصوا على بناء المساجد والمدارس والأربطة والقناطر، وكتبوا أسماءهم عليها، وقد اغتر هؤلاء من وجهين: الأول: أنهم يبنونها من أموال اكتسبوها من الرشاوى والظلم والنهب، والثاني: أنهم ربما اكتسبوا المال من الحلال ولكنهم في التركيز على بناء المساجد أصابهم داء الرياء، وحب الثناء، وصنف يحرصون على إنفاق الأموال في الحج، وربما تركوا جيرانهم جياعاً، وصنف يشتغلون بكنز الأموال بحكم البخل، ويشتغلون بالعبادات البدنية التي لا تحتاج إلى نفقة كصيام النهار وقيام الليل" (30) .

الجانب الثاني: الإصلاح الشعبي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت