فهرس الكتاب

الصفحة 25943 من 27364

وقام بهذه المهمة"معهد القيم الأمريكية"ليعطي لفتواه التي وقعها ستون مثقفا أمريكيا (بعدا وطنيا وأخلاقيا وحضاريا) ، من بينهم صمويل هنتنغتن أستاذ العلوم السياسية ومدير مركز الدراسات الاستراتيجية"جون أولين"صاحب نظرية"صدام الحضارات"والحدود الدموية للإسلام؟!.

فهل نجح هؤلاء"المثقفون"فعلا، في إقناع الرأي العام العالمي لمختلف الشعوب والدول والثقافات والحضارات، وخاصة شعوب خمسين دولة عربية وإسلامية ـ بعد خمسة عشر شهرا من بداية هذه الحرب، بأنها فعلا حرب أخلاقية وعادلة؟!.

السؤال الأول: على أي أساس نقاتل ؟.

"اهتمت"الفتوى"بالتركيز على خمسة مبادئ أساسية تتعلق بجميع البشر دون تمييز:"

1ـ يولد جميع الناس أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق.

2ـ الإنسان هو العنصر الأساسي للمجتمع، ودور الحكومة الشرعي هو حمايته، والعمل على

تطوير الازدهار الفكري:

3ـ من طبيعة البشر الرغبة في البحث عن الحقيقة، ومعرفة الهدف من الحياة ومصيرها.

4ـ حرية الاعتقاد، والحرية الدينية، من الحقوق غير القابلة للإنتقاص لجميع البشر.

5ـ القتل باسم الله مخالف للإيمان بالله.

نحن نقاتل للدفاع عن أنفسنا، وعن هذه المبادئ العالمية"."

قبل مناقشة الأسئلة: تحديد منهج البحث:

منهج البحث العلمي في أي (حوار حضاري) بين الشعوب والدول المختلفة، يفرض على المتحاورين أن يحددوا مفاهيم مصطلحاتهم، خاصة بالنسبة للمبادئ التي لا يعتنقها كل منهم، والأخلاق التي يدعيها كل منهم لنفسه، وبما أن لكل حضارة إنسانية عرفها التاريخ، واعترف بمكوناتها وخصائصها المتميزة عن غيرها، فإن أول مظهر تختلف فيه ملامحها وقسماتها الاجتماعية والفكرية عن غيرها، يتمثل في طبيعة مبادئها الدينية أو اللادينية، ونماذج سلوكها الأخلاقي، التي يلاحظها الباحث الاجتماعي، والسفير السياسي، والمؤرخ الناقد، عندما يزور لأول مرة بلدا يختلف عن دينه وحضارته.

وهذا يعنى أنه عندما يعلن"ستون مثقفا أمريكيا"تأييدهم المطلق لقرار الحرب الذي اتخذته حكومتهم ضد دولة إسلامية، وفي الحقيقة ضد عالم عربي إسلامي اعتمادا على خمسة مبادئ أخلاقية، ينبغي أن لا يغيب عن ذهن هؤلاء، أن هذه المبادئ يختلف مفهومها، وأسلوب ممارستها في حضارة المستكبرين معلني الحرب، عنه في حضارة المستضعفين المدافعين عن أنفسهم، وهذا ما يحتم منهجيا تحديد هذه المفاهيم، واعتراف"المثقفين الأمريكيين"بأنهم لا يمثلون جميع البشر، ولا جميع الحضارات والثقافات، ولا جميع الشرائع السماوية، وإذا كنا نحن"المثقفين العرب والمسلمين"نعترف بما أنجزته (شعوب الحضارة الغربية) من تقدم في العلوم الكونية والإنسانية، فهذا يوجب عليها، وخاصة منها الأمريكية، أن تعترف بما أنجزته (شعوب الحضارة العربية والإسلامية) في جميع مجالات العلم والمعرفة والأخلاق، وتكريم الإنسان، وإعلان حقوقه، قبل ميلاد الولايات المتحدة الأمريكية بمئات السنين.

هذا (الاعتراف المتبادل) بين الحضارتين:"الغربية المسيحية"و"العربية الإسلامية"ليس شرطا أساسيا لاستقرار الأمن والسلام في العالم فقط، ولكنه أيضا، (الرسالة الأخلاقية الإنسانية العالمية) التي يجب أن يؤمن بها، ويدافع عنها، كل هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم"مثقفين"في نظر"الفكر الإنساني"وفي أية"حضارة إنسانية"وجدوا، خاصة في العصر الذي ينعته هؤلاء ب"عصر التقدم العلمي".

إذا اتفقنا على هذا"المبدأ الأساسي في الحوار"فلن تكون هناك أية مشكلة منطقية، ـ أو حضارية، تقف في وجه التفاهم والتعاون الصادق بين حضارتينا، وشعوبهما ومصالحهما المشتركة، والمتبادلة، والمتكاملة...

وكان المفروض ـ بعد أن تزعمت أمريكا قيادة"الحضارة الغربية"بفضل تفوقها العلمي والصناعي والعسكري ـ أن لا يغريها هذا التفوق، ويدفعها لإملاء إرادتها على شعوب وحضارات العالم الأخرى، وان يكون تقدمها الفكري في فهم التاريخ السياسي والاجتماعي والديني والحضاري للدول والشعوب الأخرى، موازيا لتقدمها العسكري ، حتى لا يصيبها الغرور والبطر الذي أصاب ليس فقط الإمبراطوريات الاستعمارية: الإنجليزية والفرنسية، وإنما أيضا الاتحاد السوفياتي، المنافس الأخير والأقوى لأمريكا، الذي لم تعش إمبراطوريته إلا 73 عاما.

علينا إذن أن نفهم ونحلل أساب ودوافع"11 شتنبر"بفكر متزن، وأعصاب هادئة، وهذا يتطلب منهجيا تحديد مفاهيم ومصطلحات المبادئ الخمسة الواردة في الفتوى المذكورة:

بالنسبة للمبادئ الأربعة الأولى، نرجو أن تتأكدوا تاريخيا وحضاريا أن الإسلام كان أول من أعلنها وطبقها في عصور ازدهاره الأولى منذ أربعة عشر قرنا، وأن عبارة مبدئكم الأول، ليست إلا"الإرث التاريخي الحضاري الإسلامي"، الذي جاء في إحدى خطب عمر ابن الخطاب الخليفة الثاني للرسول محمد عليه السلام":"...متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟!". وهذه هي عقيدة جميع المسلمين في العالم باستثناء المارقين أو الجاهلين بالتاريخ، والمبدأ الرابع نص عليه القرءان الكريم بكامل الوضوح ـ على خلاف ما يعتقده اغلب الغربيين ـ في قوله تعالى:"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت