"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" (البقرة 256) لكن هذه الحرية لا تعنى حق الاعتداء والسخرية بعقيدة الآخرين، وتنديد القرآن بالكفر والكافرين، لا يتعارض مع وجود هذه الحرية للكافرين، بدليل قوله تعالى لرسوله:"ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء"البقرة 272". فالتنديد إنذار إلهي، وتحذير الكافرين بربهم الذي خلقهم، وتأتي"الحرية"في حياتهم الدنيا باختيارهم الحر، لتبرير مضاعفة عقوبتهم يوم الحساب."
ويبقى المبدأ الخامس:"القتل باسم الله مخالف للإيمان بالله"؟!.
هذا حكم جزافي تعميمي، لا يستند لأي قانون منطقي، أنتم تعنون بذلك عمليات المجاهدين والمجاهدات في فلسطين والشيشان أو أفغانستان باسم الجهاد في سبيل الله، ضد المستعمرين المعتدين والمحتلين للأراضي الإسلامية.
"الجهاد"مصطلح إسلامي لا يعني شيئا أكثر من"حق المسلمين ـ كغيرهم من الناس في الدفاع عن أنفسهم وأوطانهم وأموالهم وأعراضهم ضد أي عدو يعتدي عليهم"، وهذا حق شرعي وطبيعي منحه الله لجميع البشر فضلا عن الحيوان أفرادا وجماعات وشعوبا ودولا في كل زمان ومكان، وليس خاصا بالمسلمين. ولكن القرءان الكريم اختص من بين الشرائع السماوية، بأعدل قانون عرفته المجتمعات البشرية لشروط الدفاع عن نفسها، من غير تجاوز للحدود، ولا عدوان على أمن وسلام غير المحاربين.
ولا يخفى أن القرءان ندد بالظلم والظالمين بين عموم البشر في عشرات الآيات، وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى:"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرما بينكم فلا تظالموا".
ولم يشهد التاريخ البشري ظلما على شعب كامل اخرج من أرضه بقوة الحديد والنار والقتل والتشريد، ليحل محله شعب ءاخر، لتحقيق أهداف سياسية واستعمارية، كالظلم الذي لحق بالشعب الفلسطيني، نتيجة تخطيط وتآمر دولي بزعامة بريطانيا والولايات المتحدة، ولكن قمة هذه المأساة الدولية التاريخية لا تتمثل فقط في سقوط الملايين من الفلسطينيين ضحايا على مدى أربعة وخمسين سنة الماضية، وإنما تتمثل في قرار الرئيس بوش حرمان الشعب الفلسطيني من حقه في الدفاع عن نفسه، واعتبار منظماته الإسلامية: حماس والجهاد وحزب الله منظمات إرهابية، وإطلاق يد السفاح شارون يعيث فسادا وتقتيلا في الشعب الفلسطيني أمام أنظار العالم اجمع، بكل أسلحة الدمار الشامل التي زودته بها الولايات المتحدة، إمعانا في إرهاب العالم العربي والإسلامي والدول المستضعفة كلها، وقلبا لكل الحقائق والقيم الإنسانية رأسا على عقب.
لذلك نرجو من"المثقفين الأمريكيين"أن يصححوا معلوماتهم الخاطئة، ومواقفهم السياسية، التي تسيء أعظم إساءة، ليس فقط إلى الفكر الإنساني، وقيم الحضارة الإنسانية وقانون العدل الإلهي العام، الذي فرضه على جميع خلقه على أساس المساواة الكاملة بينهم، ولكن أيضا إلى قضية الأمن والسلام العالمي، وقضية الانفتاح والتعاون والتعايش بين شعوب ودول الحضارتين الإسلامية والغربية.
السؤال الثاني: ما هي القيم الأمريكية ؟
ولماذا"11 شتنبر"؟
أولا: من خلال جوابنا على هذين السؤالين، ستبدو مواقف وأخطاء تفسير"المثقفين الأمريكيين"لهما: جميل جدا أن يتسم هذا التفسير بالاعتراف بأن دولتهم قد تصرفت بروح الاستكبار والجهل تجاه مجتمعات أخرى، ومارست سياسات مضللة وغير عادلة، وتناقضت مع قيمها الأخلاقية، شأنها في ذلك شأن العلماء والمثقفين الذين لا يمكنهم إنكار الواقع اللاأخلاقي للحضارات العالمية المعاصرة، رغم دخول القرن الواحد والعشرين!.
ثانيا: ومؤسف جدا أن يحاول إعطاء تفسير لدوافع"11 شتنبر"من وجهة نظر منحازة لسياسة أمريكية خاطئة ومضللة مائة في المائة، لأنها تنظر إلى الأحداث بعين واحدة، تنظر وتبرر السياسات الحربية العدوانية المتجبرة التي تقوم بها حكومتكم، والرئيس بوش الثاني ضد الإسلام والمسلمين، لا يمكن وصفها ـ والحالة هذه - إلا بأنها"كارثة فكرية أخلاقية حضارية"لصراع عالمي خطير مقبل، ما لم يتم تصحيح هذه الأخطاء، والأحكام الصادرة بمقتضاها من طرف أصحاب هذه الفتوى، وما لم تقتنع الحكومة الأمريكية بضرورة تعديل سياساتها العدائية تجاه الإسلام والعالم الإسلامي.
هجوم"11 شتنبر"لم يوجه إطلاقا ضد"القيم الأمريكية"ولا ضد"الحضارة الغربية"!