فهرس الكتاب
ولا ريب أنَّ هذا تطوُّر لافت للنظر ، يدلُّ على أنَّ طالبان بدأت تستعيد قوَّتها ، وتنظم أمورها ، كما صرَّح بذلك المتحدِّث باسم الحركة لطف الله حكيمي ـ الناطق الجديد باسم الحركة ، والمعتقل حاليَّاً من قبل السلطات الباكستانيَّة ـ حيث كان يقوم بالاتصال بوكالات الأنباء العالمية لنقل بيانات الحركة ، ممَّا يفضح الأكاذيب الأمريكيَّة بانتهاء وجود طالبان في أفغانستان ، وقد ابتدأت هذه الإذاعة بثَّها بإذاعة بيان للملا محمد عمر ، حثّ فيه الأفغان على مواصلة القتال ضدَّ العدو المحتل.
* سرَّبت بعض وسائل الإعلام بأنَّ بعض المصادر الاستخباراتيَّة الآسيويَّة تناقلت أنَّ عدداً من قيادات المقاومة العراقيَّة انتقلوا إلى أفغانستان قبل فترة قصيرة ، من أجل وضع استراتيجيَّة تنظيميَّة وتكتيكيَّة جديدة للهجمات العسكريَّة تجاه قوى الاحتلال ، بل ذكر مصدر إخباري أنَّ هناك تهريباً للأسلحة من العراق عموماً ومن كردستان خصوصاً إلى أفغانستان ، حيث تهرَّب من إيران مع بعض العوائق في ذلك ، ولكنَّها تصل إلى أفغانستان متجاوزة هذه العوائق.
ومن خلال هذه المؤشِّرات الراصدة لتنامي المد القتالي للطالبان في بلاد الأفغان ، فإنَّه يمكننا من خلال قراءة الوضع أن نقول: إنَّ طالبان الآن تبدو أكثر قوَّة وعملاً عسكرياً قبل أربع سنوات ، ويكفي أن الإدارة الأمريكية اعترفت بقوَّتها ، بل قالت صحيفة (الإندبندنت) البريطانية: إن حركة طالبان لم تهزم أبداً في إقليم هلمند جنوب أفغانستان.
ومنطقة هلمند بالذات كان للمقاومة الطالبانيَّة فيها عدَّة هجمات شملت 14 تفجيراً جنوب وشرق أفغانستان ـ سجلت خلال الأشهر الأخيرة ـ بل صرَّح حاكم ولاية"هلمند"أنه كاد أن يقع في أسر طالبان عندما أحاط 200 من مقاتلي الحركة به وحرسه البالغ عددهم 100 عنصر في أشرس قتال تشهده المنطقة.
وهذه التصريحات لا تدع مجالاً للشك بأنَّ المجاهدين بدؤوا يستعيدون دورهم من جديد ، وبقوَّة شهد لهم بها الأعداء ، كمَّا صرَّحت صحيفة الإندبندنت بأنَّ سبب عدم قدرة القوات الأمريكية على توجيه ضربة حاسمة ضد طالبان في هلمند، هو طبيعة الإقليم, بالإضافة إلى إخفاق حكومة حامد كرزاي المدعومة من الولايات المتحدة في القيام بمزيد من الأعمال لإعادة بناء الإقليم.
تنويهات وتحذيرات:
ومن خلال ما سبق طرحه فإنَّ من المرجَّح أنَّ حكومة طالبان لن تستسلم للاحتلال الغازي ، ولا للمزيد من القوَّات الآتية من دول حلف الأطلسي أو غيرها ، بل المراقب لتحرُّكاتهم يجد أنَّهم أشدُّ حماساً لقتال هذه الأحلاف الصليبيَّة الغازية ، من منطلق قوله تعالى: (أذن للذين يقاتلون بأنَّهم ظلموا وإنَّ الله على نصرهم لقدير) لعلمهم أنَّ هؤلاء الحلفاء المعتدون قد تواطؤوا على قتالهم ووالى بعضهم بعضاً كما يقول الله تعالى عنهم: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلاَّ تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) يقول الشوكاني: (أي بعضهم ينصر بعضاً ويتولاَّه في أموره...وفيه تعريض للمسلمين بأنَّهم لا يناصرون الكفَّار ولا يتولَّونهم) (فتح القدير2/249) وقد أدرك المجاهدين الأفغان هذه القضيَّة، وخرجت التصريحات من بعض قادتهم كالملاَّ (عبيد الله آخوند) نائب الملا عمر ووزير الدفاع السابق في الحركة ، حيث نبَّه على أنَّ طالبان لن تتوقف عن مقاتلة الأمريكان وحلفائهم ، وأكَّد أنَّ الهجمات الفدائيَّة ستستمر ؛ بقوله: (سيكون خيانة للإسلام التوقف عن محاربة أمريكا، والملا عمر وطالبان ليسا مستعديْن لتحمل هذا الإثم) .
فما البال إذا علمنا أنَّ البشتون إذا قالوا كلمتهم فإنَّهم لا يتراجعون عنها ، ومن الأمثال الشعبيَّة الدارجة عندهم في أفغانستان: (إنَّ البشتوني إذا قال نعم فهو يعني نعم ، وإذا قال لا فإنّه لن يتحوَّل عنها) فما ظنُّك وهذا العِرق يرى أنَّ الإسلام هو البديل الصحيح لشتَّى البدائل الأخرى؟.
وبالطبع فإنَّ كثيراً من وسائل الإعلام الغربية أو المستغربة تحاول قدر الإمكان إخفاء هذه الحقائق ، وتعميتها وتعتيمها على الناس ، وخلق حالة من الغبش والضبابيَّة عن انتصارات المجاهدين في أفغانستان ، لأنَّهم يعلمون أنَّه لو ظهرت الحقائق ، على مرأى من هذا العالم ، لشهدوا لهم بذلك ، ولشعروا بتنامي القوَّة الطالبانيَّة الصاعدة في أراضي أفغانستان ، وذلك يذكِّرني كثيراً ، بالأساليب العمليَّة التي يستخدمها الطغاة والكفرة بالتحذير من سماع منطق الحق والقوَّة بقصَّة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ حيث كان كفَّار قريش يغبِّشون عليه الحقائق ، ويخفونها عليه ، بعدَّة قوالب وأساليب ، ولنتأمَّل ما قاله الطفيل قبل إسلامه: (فوالله ما زالوا بي يقصُّون عليَّ من غرائب أخباره و يخوِّفونني على نفسي وقومي بعجائب أفعاله ، حتى أجمعتُ أمري على أن ألا أقترب منه وألا أكلمه أو أسمع منه شيئاً ، حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كُرْسُفَاً فَرَقَاً من أن يبلغني شيء من قوله وأنا لا أريد أن أسمعه) (انظر: الروض الأنف للسهيلي) .