ولاشك أن هذا الانتصار رفع من الروح المعنوية لدى المسلمين بعد الهزائم المتلاحقة , مما أحدث قناعة بإمكانية إعادة الأمجاد وتحقيق انتصارات أخرى عليهم . إن أشد ما يضر بالأمم في مثل هذه الأزمان هو الوقوع في شباك الهزيمة النفسية .
• أما الصليبيون في الشرق الاسلامي ، فقد شعروا بالخطر من نقص القوات البشرية ، وحاجتهم إلى إمدادات عسكرية , فأرسلوا إلى أوروبا يستغيثون و يطلبون المدد .
وضجت أوربا لنداء البابا ( باسكال الثاني ) الذي بعث برسالة إلى رجال الدين الفرنسيين ، و نشر دعاته في أوروبا يأمرهم بالدعوة إلى حملة صليبية جديدة . وأعلن البابا غفران ذنوب كل من يشترك في الحملة الصليبية الجديدة ( فاستخف قومه فأطاعوه ) الزخرف (54)
فعاد رجع صدى البابا بحملة صليبية ثانية بلغ قوامها ثلاثمئة ألف مقاتل .
الحملة الصليبية الثانية:
وجاءت الحملة الصليبية الثانية , وعلى الرغم من أن الهدف الرئيسي لهذه الحملة هو الوصول إلى الأراضي المقدسة في الشام , إلا أنه وبعد ضغوط من غالبية الجيش توجهت الحملة إلى جبال ( بنطس ) في شمال شرق الأنضول لإطلاق سراح ( بوهيمند) الذي كان مسجوناً هناك ، و انتزاع بلاد الشام من (كمشتكين) .
فكيف استطاع (كمشتكين) مواجهة هذه الحملة ببضعة آلاف من رجاله: إنها الثقة بالله وبنصره للمؤمنين , وإعداد المستطاع من القوة , والدعاء , ثم الصبر والثبات ( ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ) البقرة (250 ) وما أحوج المسلمين اليوم وهم يواجهون حملات صليبية متتالية إلى تأمل التكتيك الذي قام به هذا القائد الفذ أمام هذا العدوان الوحشي على بلاد المسلمين .
لما علم (كمشتكين) بتوجههم نحوه أتخذ أغضل الخطط العسكرية , فلم يُقْدِم على الاشتباك بهم مباشرة , بل أمر بإخلاء المدن والبلاد الواقعة على طريقهم ، وإحراق المؤَن والأقوات ، وذلك حتى يحل التعب والإعياء و الجوع بهم ، ثم يتم استدراجهم إلى المناطق الوعرة والحصينة .. حتى إذا تعبوا انقض عليهم الأتراك المسلمون كالأسود .
تقدم الصليبيون و استولوا على أنقرة وقتلوا كل من كان بها من المسلمين ، ومضى الصليبيون في طريقهم فقاسوا من التعب و الجوع ما قاسوا ، وازدادت متاعبهم بسبب حرارة الصيف الشديدة في هضبة الأنضول . ثم توجهوا نحو الشمال الشرقي إلى ( قصطمونية) غير أن تحركهم إليها كان بطيئاً و قاسياً إذ عمد الأتراك المسلمون إلى تدمير كل المحاصيل ، إضافة إلى نفاذ الماء عبر الصحراء ، زد على ذلك ما يجدون من الغارات تلو الغارات التي يشنها عليهم المسلمون .
وحدث مرة أن خرجت فرقة من الصليبيين بهدف جمع حبوب الشعير و النباتات التي لم تنضج بعد والتفاح البري ، فطوقهم المسلمون في حرش كبير ، و أحرقوه عليهم و أبادوهم عن أخرهم , مما أجبر الجيش الصليبي على أن يمشي كتلة واحدة وهذا يضاعف من معاناته .
وخارج أخرجه حب الطمع *** فرَّ من الموت وفي الموت وقع
معركة (مرسيفان) :
وأرسل (كمشتكين) إلى بعض حكام المسلمين يطلب المدد , استعدادا لملاقاة الصليبيين في معركة (مرسيفان) الشهيرة . ففي شهر شوال من عام 494 هـ جهز (كمشتكين) جيشه وأعد الكمائن للصليبيين ، وبنى خطته في مهاجمة الصليبيين على أن تكون على شكل موجات من الفرسان الرماة الذين يأتون بسرعة شديدة إلى قرب الجيش الصليبي فيمطرونهم بسهامهم الماضية ، ثم يعودون وتعقبهم موجة أخرى من مكان آخر , وهي خطة درج الأتراك المسلمون على استخدامها ، ففرضوا بذلك أسلوبهم في القتال على الصليبيين . وكانت ألسنتهم تصيح بالتكبير مما زاد من رعب الصليبيين ، وأوهن عزائمهم .
وانتهى اليوم الأول من معركة ( مرسيفان ) وقد صمد فيها الصليبيون رغم ما تكبدوه من خسائر , وفي اليوم الثاني من المعركة توجهت فرقة من جيش الصليبيين إلى قلعة في منطقة مجاورة لمرسيفان ونهبوا كل ما وجدوه ، فنصب لهم المسلمون كميناً واستردوا كل ما سلبوه وقتلوا المئات من عسكر الصليبيين .