وفي اليوم الثالث من المعركة , قام رئيس أساقفة ( ميلان) برفع الروح المعنوية المنهارة بين الصليبيين ، فألقى موعظة علىكل الجيش الصليبي وطالبهم أن يعترفوا بذنوبهم ، وعرض عليهم ما زعم أنه أثر مقدس لأحد القديسين وطعام مقدس ، وحرب مقدسة , وبعد سماع الموعظة انتظمت الحشود الصليبية في خمسة جيوش مقاتله . وأعد ( كمشتكين ) خطته بإحكام وتقدم بقواته واشتبك مع الصليبيين في قتال شديد ، وما هو إلا أن قام قائم الظهير ،وإذ بالجيش الصليبي ينحل عقده و ينفرط نظامه , و المسلمون يحصدونهم بنبالهم وسيوفهم , حتى إذا جاء الغسق فروا إلى معسكرهم مهزومين ، فطاردهم المسلمون و طوقوا المعسكر بكامله , وأغلقوا كل المنافذ أمام الصليبيين ، فلم ينج من الحصار إلا الفرسان الذين هربوا من المعسكر قبل اكتمال التطويق . وتقدم المسلمون في داخل المعسكر الصليبي ، فحصدوا المشاة , وغنموا كل ما في المعسكر من النساء و الأطفال و الأموال و المتاع . ولم يكتف القائد المسلم ( كمشتكين) بهذا النصر بل هرع - و معه بعض الفرسان - بمطاردة فلول الصليبيين فقتل ما يزيد على ثمانية من أمراء الصليبيين .
ودنونا ودنوا حتى إذا *** أمكن الضرب فمن شاء ضرب
تركوا القاع لنا إذ كرهوا *** غمرات الموت واختاروا الهرب
وما أن استعاد (كمشتكين ) شيئاً من أنفاسه إلا وجيوش أخرى للصليبيين بقيادة ( وليم الثاني) تتقدم نحوه فحاصر (قونية) لكن الحامية الاسلامية التي كانت تحرسها قاومت هذا الحصار ببسالة فتركها ( وليم ) و توجه إلى ( هرقلة) . وعلم (كمشتكين ) بذلك فأغذ السير جنوباً لمواجهته ، وانضم إليه ( قلج أرسلان) بنفسه ، وسار القائدان المسلمان بسرعة ، فوصلا (هرقلة) قبل الصليبيين ، وقاموا بتدمير مصادر المياه ، فطميت الآبار الواقعة على امتداد الطريق ، وبعد أن أرهق المسلمون الصليبيين بالعطش عدة أيام طوقوهم ،وبعد معركة قصيرة الأمد انهزم الصليبيون هزيمة ساحقة ,وفر الفرسان تاركين المشاة و النساء والأطفال .
واشتد حنق الصليبيين ، فعبرت قوات صليبية متحدة مضيق البسفور ، وكانوا يدمرون كل ما يمرون عليه ، وأخذوا طريقهم نحو مدينة ( قونية ) . ولما علمت الحامية الإسلامية هناك بتوجه الصليبيين إليهم بجيش كبير ، قد لا يستطيعون مدافعته ، قرروا إخلاء المدينة وحملوا معهم كل ما فيها من مواد غذائية ،و جردوا بساتينها من الفواكه ,حتى إذا أتي الصليبيون إليها لم يجدوا إلا القليل ، ثم شرع الصليبيون يشقون طريقهم من (قونية) متجهين نحو (هرقلة) ،وبدأوا يعانون صعوبات جمة ، و يكابدون عقبات قاسية ، فقد اشتد بهم العطش و الجوع عبر الصحراء . وكان الفرسان المسلمون ينقضون عليهم من حين لآخر ، و يطلقون سهامهم على قلب الجيش و يعودون أدراجهم ، كما قتلوا كل الذين خرجوا من صفوفهم للبحث عن الحطب أو ضلوا الطريق .
و لما وصل الصليبيون إلى مدينة (هرقلة) وجدوا سكانها قد أخلوها بكل ما فيها مثل ما حدث في (قونية)
وكان (كمشتكين) و (قلج أرسلان) يعرفان جيداً متاعب الصليبيين ، وما أصابهم من عطش شديد ، فكمنا برجالهما داخل النباتات على ضفة النهر خلف مدينة هرقلة ، و أصبح الصليبيون كالكلاب المسعورة من شدة العطش ، فلما شاهدوا مياه النهر تلمع من وراء المدينة ، حلّوا صفوفهم و اندفعوا في صخب شديد يصطرخون صوب النهر ، و هم لا يعلمون أن مصارعهم تنتظرهم على ضفاف النهر .
لزم المسلمون أماكنهم في سكون تام داخل النباتات الكثيفة على طول ضفة النهر ، وبمجرد أن أقترب الصليبيون نحو الماء أمطرهم المسلمون وابلاً كثيفاً من السهام ، و حملوا عليهم بقوة فلم يستطع الصليبيون الوقوف أمام الهجوم الكاسح لأبطال الإسلام ، فاضطربوا و شدهو من هول المفاجأة ، فارتدوا على أعقابهم بلا نظام ، وتقدمت بعض كتائب المسلمين خلف الصليبيين و قطعت عليهم خط الرجعة ،وجرى تطويق الجيش الذي اختلط فرسانه بمشاته ، و بعد قتال قصير في أراضٍ طينية سبخة ضفر المسلمون بأعدائهم وحصدوهم ومزقوهم شر ممزق ، وشفوا صدورهم و صدور قوم مؤمنين , وغنموا كل ما كان يحمله العدو من خيول و أموال و أسلحة .
ينثني الصَّارم المهند والرمح *** الرُّدَينيُّ والشجاع الجريٌّ
حيث لا أنثني ولا ينثني *** بيدي صارم ولا سمهريُّ
من رآني فقد رأى مشرفياًّ *** ماضياً في يمينه مشرفيُّ
وقد كان لهذه الانتصارات على هذه الحملات أثر كبير في خمود الحماسة للحروب الصليبية في أوروبا قرابة نصف قرن من الزمان والحمد لله رب العالمين .
هذا شيء من تاريخ هذا البطل المسلم , وهذه حقبة لامعة من أمجادنا فهل درستها ووعتها الأجيال المسلمة اليوم الهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم
كتبه
إبراهيم بن صالح الدحيم