فهرس الكتاب
وصرنا نسمع من يقول إن الطلاق في الإسلام محرم بالأصالة ، وأن الرجل لا يجوز أن يطلق زوجته إلا في حالة الضرورة القصوى ، فلم يفترق هذا المذهب عن الكثلكة التي حرمت الطلاق ثم أباحته للضرورة القصوى ، فأين إسلامنا يا قوم ؟!! [4] .
ولأجل هذا كله اعتبرت الموسوعة الميسرة [5] مبدأ التغريب: هجمة نصرانية صهيونية استعمارية في آن واحد التقت على هدف مشترك بينها وهو طبع العالم الإسلامي بالطابع الغربي تمهيدا لمحو الطابع المميز للشخصية الإسلامية .
ولا شك أن الضحية الأولى هم شباب الأمة الذين صاروا يتساقطون أفواجا أفواجا أمام هذا الزحف الفكري الصليبي ، فكان من نتائجه تلك ذوبان الشخصية الإسلامية ، وتشويه معالم الشرع في قلوب المسلمين ، ونشوء جيل مسلم خائر غير قادر على حمل رسالة الإسلام إلى الإنسانية ، وتوقف المد الإسلامي الذي كان منتظرا منه أن يكون منقذ البشرية من وهدتها وورطتها .
وقد اختلفت الرؤى حول كيفية صد هذا الخطر الداهم ، ومقاومة هذا الزحف العنيد ، فكان كل يدلي بما رآه قريبا من إحساسه الدعوي ، ويمحص ما يراه أنفع وأجدى في العلاج والحل .
لكن مع سبر كثير من كتابات ودعوات العلماء والدعاة والمصلحين في الآونة الأخيرة أستطيع أن أجزم مطمئنا أن الجمهرة الغالبة صارت تميل إلى أن ما تعانيه الصحوة الآن من بطء في السير وقصور في الأداء ، وفشل في بعض الميادين مرده إلى عدم الاهتمام بشريحة الشباب التي تمثل الطاقة الهادرة في أية حركة اجتماعية .
وبعيدا عن الإحصائيات الإسكانية التي تثبت أن نسبة الشباب والمراهقين في الدول الإسلامية يبلغ النصف في معظم الدول ، وفي بعض الدول فإنه يفوق النصف ، أقول: بغض النظر عن هذه الحقيقة فإن أحدا لا يماري في أن شريحة الشباب هي أقوى شريحة في المجتمع وعليها تعول كل الخطط التنموية في بناء الحضارات ونشدان التقدم .
وإزاء هاتي القناعتين:
(1) أن شباب الصحوة يعاني كسادا في الجانب التربوي .
(2) وأن شريحة الشباب هي أهم شريحة في المجتمع .
يمكننا أن نشير بأصبع الاتهام الجريئة إلى كل من يقصر في هذا الدور التربوي ، بدءا من الاهتمام بالمشكل كمشكل ، وانتهاء بتطبيق منهج تربوي متكامل إزاء هذه الشريحة .
( الحل: تربية ربانية من نوع فريد )
إن التحدي الحضاري الضخم الذي تخوضه أمتنا الآن يجب أن نستعد له بجملة من الإنجازات التي يجب أن تتأسس قبل أن نفكر أصلا في خوض هذا الصراع ، وليست هذه الإنجازات من قبيل ما نجهله أو نعجز عن تحقيقه ، بل هي حقائق متفق عليها في أدبياتنا ، ومشروعات لم يجر أي نزاع بين أي اتجاه من اتجاهات الصحوة حولها ، فالإجماع منعقد على ضروريتها ، والاتفاق واقع حول لزومية تنفيذها .
إنني مع الاستقراء الطويل والدقيق لأدبيات الصحوة الإسلامية أستطيع أن أجزم أن الشيء الوحيد الذي اتفقت عليه كل اتجاهات الصحوة كخطوة أصيلة في بناء الأمة المسلمة القوية القادرة على استعادة أمجادها ، والنهوض من كبوتها إنما هو التربية .
ومهما اختلفت الرؤى حول هذا اللفظ ومعناه ، ومهما تباينت المعاني الاصطلاحية حول مدلوله وعمقه فسيبقى أن القدر المتفق عليه من معناه أن يعاد بناء الشخصية المسلمة ، وهذا كاف في إثبات أهمية التربية كحل وحيد لهذا العرج الإصلاحي الذي تعاني الصحوة الإسلامية .
ويبقى بعد ذلك احتياجنا أن نثبت أن التربية التي تحتاجها الصحوة لا بد أن تتوفر فيها ثلاثة أمور أساسية حتى نضمن حصول الثمرة منها ، كما نضمن تناسبها مع مقاصد الصحوة الإسلامية بل الروح الإسلامية التي تتقمصها الصحوة .
تلك الأمور هي:
(1) العقيدة القوية بما تتضمنها من إيمان كامل بمرجعية الكتاب والسنة .
(2) العلم بما يتضمنه من كفاية وأهلية للقيام بالحجة الشرعية ، ونعني بالعلم كل ما أفاد نصرة الدين ، ولكن يتأكد العلم الشرعي باعتباره مادة النذارة وحجة الرسل وأتباع الرسل .
(3) الجهاد ، والحركة ، والبذل ، باعتبار الثلاثة مظهر من مظاهر قوة المعتقد ، والطريق الوحيدة للإصلاح والتغيير .
وهذه الأمور الثلاثة هي ركيزة الجهد التربوي الذي ننشده ، بل هي الملامح الأصيلة التي بها نضمن تنشئة جيل قادر على حمل أمانة الدين وتبليغها للكون .
وهذه الأمور الثلاثة تجمعها الربانية التي أمر بها الله تعالى في قوله: ( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) .
فالربانية كانت في مقابل الشرك الذي نفاه الله عن دعوة المرسلين ، وهو ركن العقيدة المذكور ، والربانية مأخوذة من ربان السفينة ( كما حققه ابن جرير الطبري رحمه الله ) أي قائدها ، والقائد لا بد له من جهاد وحركة وبذل ، وإلا ما صلح للقيادة أصلا ، كما أن الآية نصت على دراسة الكتاب وتعليمه ، وهو أساس العلم المشروط فيما سلف .
إن ربانية التربية هي الحل الوحيد لاستنهاض جيل الشباب في كل مكان ، ولجعل هذا الجيل متأهلا لاستنهاض الأمة وقيادتها نحو الريادة والمجد .