وليس من ريب أن أية محاولة تربوية تنحِّي هذه الملامح محكوم عليها بالفشل ، مأذون لها بضياع الجهد والتعب ، فأجدر بمن تصدر لهذا الدور الجلل أن يعاود الفكرة في ما ذكرنا من المعاني ، وفيما سنسطر في هذا الكتاب ليتأسس جهده على بينة ، وليكمل بناؤه على هدى ، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
وهذه المعاني التي ذكرناها متسلسلة أردنا بها أن نثبت أن الصحوة في قد بلغت حدا من الضرورة يملي عليها أن تعزم عزمة جادة في درب التربية الربانية ، فليس من بديل لهذه الغثائية التي نعانيها إلا الاهتمام بالكيف ، وتحسين النوع ، والرقي بمستوى المهارة لدى جيل الشباب ، وما من سبيل لخوض الصراع الحضاري الضاري الذي بدأ معتركه إلا بحشد الإمكانيات كلها لإبادة كل جينات الفشل وبقايا المعوقات والصفات المثبطة التي تخلد بالصحوة ورجالها إلى الأرض ، وتحول بينهم وبين الزحف الظافر باليقين القاهر .
وهذه التربية إذا أردنا لها ظفرا ونجاحا فلا بد أن تقوم على أساس من العلم متين ، ونعني بالعلم منهجيته ، بمعنى أن تقوم التربية على منهج واضح المعالم والملامح ، وليس خاضعا للتجارب الفردية ، والأهواء الذاتية ، بل مراعيا لنص الوحي ، متابعا لطريق المعصوم ، متحريا لأمارة الحق التي لها نور من أدلة الشرع وهدى من البينات والفرقان .
نعم .. إن جانبا ليس بالقليل من التربية مبني على الممارسة ، والممارسة أصلا يجب أن تخضع لمرجعية الشرع ، فلا حركة ولا جهاد إلا ببرهان وبينة ، كما أنه لا عبادة إلا بدليل ، ومع أن الأصل في المسلم أنه متحرك لدينه ، إلا أنه يتحرك وفق ما رسمه له الشرع ، لا ما يرسمه له هواه ، وتمليه عليه أمانيه .
فمع تضافر التجربة والممارسة بإزاء البرهان الشرعي تتولد الشخصية الربانية التي استهدت بنور الوحي ، وارتسمت منهج المعصوم r ، وراعت حقيقة الشريعة ، فكان سعيها نورا على نور ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) .
وهذه الأوراق محاولة لتقعيد هذه التربية الربانية ، والانتحاء بها عن الارتجال إلى النظام والدقة ، ودعوة للمربين أ يمارسوا هذه التربية الربانية بنوع من وضوح الرؤية ، بعيدا عن الاقتراحات التي صارت وليدة الظرف ، والتجارب التي صارت رهينة المشكل ، فأضحت عمليتنا التربوية أشبه ما يكون بعملية جراحية يمارسها طبيب مبتدئ أو جراح غير متخصص فهو يثخن في المريض الجراح راجيا أن تفلح تجربة من تجارب مشرطه ومبضعه ، والضحية هو المريض المسكين .
إن من مقاصد وضع هذه الأوراق أن نشاهد بداية حملة جادة لجعل التربية الربانية شغلا شاغلا لشباب الصحوة تعلما وتعليما وتثقفا ، فينشغل الكل منذ أن عرف طريق الله بما يؤهله لبلوغ هذه الربانية المنشودة .
ومن مقاصدها دفع الغثائية التي تعانيها أمتنا ، والاتجاه نحو الجودة التربوية ، بوضع مواصفات دقيقة لها ، واشتراط شروط قاسية لتحصيلها ، وليست الشخصية المسلمة الكاملة بأبخس من المصانع التي تحتاج إلى شهادة الآيزو لتثبت جودة منتجاتها للناس .
لقد صار الإتقان سمة العصر ، وما لم تواجه أمتنا عدوها برجال أعدوا إعدادا متقنا ، وبعدة متقنة التجهيز فإنها بذلك تغامر في معركة خاسرة ، وتخوض تجربة معروفة النتائج ، ولا بد أن نقف وقفة صدق مع أنفسنا لنختار لأمتنا ، فاختيارنا لأمتنا هو اختيار لأنفسنا .
[1] الشبهات والأخطاء الشائعة في الفكر الإسلامي لأنور الجندي ص224. نقلا عن المسلمون وظاهرة الهزيمة النفسية لعبد الله الشبانة .
[2] رسائل الإصلاح (1/101) نقلا عن المرجع السابق .
[3] راجع: حصوننا مهددة من داخلها والإسلام والحضارة الغربية كلاهما للدكتور محمد محمد حسين ، وأدب الردة لجمال سلطان ، وعودة الحجاب ؛ الجزء الأول للشيخ محمد إسماعيل .
[4] يراجع ما كتبه جمال سلطان في كتابه: أزمة الحوار الديني .
[5] الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة إصدار الندوة العالمية للشباب الإسلامي . انظر صفحة 715 .