6 -السياسات الخاطئة الهوجاء التي انتهجها النظام العراقي البائد والتي أفقدته أي دعم أو تعاطف من أغلب شعبه ومن دول الجوار وكذلك تعاطيه المتغطرس مع أعدائه الذين كانوا ينفخون فيه الشعور الوهمي بالقوة والبطولة ويجرونه إلى كوارث إثر كوارث حتى آل به الأمر إلى هذا الفرار المخزي والهزيمة المذلة فلم يكن صدام حسين وزمرته لا بالأتقياء البررة ولا بالأقوياء الفجرة ، ومسكينة أمة يقودها هؤلاء الذي حين فاتهم أن يعيشوا أعزة لم يكن فيهم من الرجولة ما يجعلهم يموتوا كراماً ، لقد استولى الجيش الأمريكي على مئات الدبابات وآلاف المدافع والصواريخ وعشرات الطائرات لم تستعمل أبداً ، أفما كان يمكن أن يفعل بها شيء وبالذات أن الشمال العراقي كان صامداً والجنوب ما زال متماسكاً لكنه القانون الرباني { إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ } (يونس:81) .
7 -التواطؤ المشين والاستخذاء المخزي لدول الجوار العراقي والذي مكن الصليبيين من غزو بلاد الرافدين عبر تلك البلدان إما براً وإما جواً وإما بحراً ولولا ذلك التواطؤ لما أمكن الجيوش الصليبية أن تغزو العراق بهذه الصورة ، نعم صدام حسين لم يدع له صديقاً حتى من أقرب الناس إليه رفقاء دربه وأزواج بناته ، لكن صدام حسين عرض زائل وبلاد العراق وطن إسلامي عربي لا يجوز لأحد من العرب والمسلمين إعانة أمريكا عليه ولو ببعض كلمة لكنه الخذلان ولئن كان من سنن الله أن من أعان ظالماً على ظلمه سلطه الله عليه فإن الدول العربية بتوجيه أمريكي أعانت صدام على ظلم إيران فانتقم الله منهم على يد صدام في حرب الخليج الثانية وها هم يعينون أمريكا على ظلم العراق ، وإني لأخشى أن ينتقم الله منهم على يد أمريكا انتقاماً مريعاً قال تعالى: { وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } (الأنعام:129) .
ثانياً: العبر والدلالات التي نخرج بها من هذا الحدث:
إن ذوي العقول والبصائر هم الذي ينظرون في الأحداث على ضوء سنن الله في الحياة فيخرجون من تلك الأحداث بالعبر والدلالات التي ينطلقون منها لاستدراك فائت والاستعداد لقادم من خلال تعميق صواب وتقويم اعوجاج وتصحيح خطأ وإزالة باطل وإقرار حق ، قال تعالى: { قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ } (آل عمران:137) ، وقال تعالى: { سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً } (الفتح:23) .
ومن العبر والدلالات والعظات التي ينبغي أن يقف عندها كل عاقل في هذا الحدث الأمور الآتية:
1 -أن الله سبحانه وتعالى قد جعل عاقبة الظلم والظالمين إلى البوار والهلاك والفساد ، وصدام حسين ونظام البعث قد مارسوا من الظلم وعاثوا في الأرض من الفساد ما تتقاصر دونه أخبار أعتى الظالمين وكبار المجرمين في التاريخ ولم يسلم من أذاهم حتى الشعوب المجاورة لهم وقد أمهلهم الله طويلاً حتى استكبروا وقالوا من أشد منا قوة ، ثم أخذهم أخذ عزيز مقتدر على أيدي طغاة آخرين سيأتيهم القدر الرباني بعد ذلك .
قال تعالى: { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ } (يونس:13) .
وقال تعالى: { وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً } (الكهف:59) .
وقال تعالى: { فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا } (النمل:52) .
وقال تعالى: { وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ } (القصص:59) .
2 -أن استعباد الشعوب وإذلالها ونهب خيراتها وحكمها بغير دينها الذي ارتضاه الله لها يؤدي إلى بغض تلك الشعوب لظالميها وتخليها عنهم وإسلامهم لعدوهم أشد ما يكونون حاجة إلى من ينصرهم .
قال تعالى: { وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ } (الشورى:8) .
3 -أن استسلام الشعوب للظلم والطغيان وعدم قولها للظالم يا ظالم ، وعدم أخذها على يد السفيه يؤدي حتماً إلى أن يعمها الله بعقاب من عنده فتفتقر بعد الغنى وتتفكك بعد الوحدة وتضعف بعد القوة ويسلط الله عليها من يسومها خسفاً من سفهائها أو أعدائها ، قال تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ } (إبراهيم:28) .
4 -ضعف الأنظمة المستأسدة على شعوبها أمام العدو الخارجي وهشاشتها في مواجهته ، فها هي تنكشف في مواجهة أمريكا كما انكشف بعضها من قبل في مواجهة إسرائيل وكما قال الشاعر:
أسد علي وفي الحروب نعامة فتخاء تطير من صفير الصافر