فهرس الكتاب

الصفحة 26115 من 27364

إنَّ العجب كل العجب حين تجد أناساً يستثقلون بالدعاء لإخوانهم المجاهدين، وحاملي رايات المقاومة الإسلامية، والأغرب من ذلك أن يقول البعض: لقد دعونا الله ولم يستجب، أو أن يقول البعض: إنَّ ما يكتبه الله سيقدره سواء دعوناه أو لم ندعه فكل مقدر ومكتوب!!!

وإلى هؤلاء أخاطبهم راحماً حالهم، ومشفقا عليهم، فأقول:

يا من قلتم: إننا دعونا الله ولم يستجب لنا ، هل ابتعدتم عن جميع الموبقات والفواحش والظلم وموانع إجابة الدعاء؟ وهل دعوتم الله بقلب صادق، وضمير حيٍّ حاضر؟

إن من أهم ما يجب عليكم معرفته أنَّ الله لا يستجيب الدعاء من قلب غافل، فقد روى أبو هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاه"أخرجه الترمذي (3479) وحسَّنه الألباني في صحيح الترمذي (2766) .

ثمَّ ألا تعلموا أن رسولكم قد نهاكم عن استعجال إجابة الدعاء، فقد روى أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يستجاب لأحدكم ما لم يعجل،يقول: دعوت فلم يستجب لي"متفق عليه ، وفي جزء من رواية مسلم قيل: يا رسول الله! ما الاستعجال؟ قال:"يقول قد دعوت ، وقد دعوت فلم يستجب لي، فيستحسر عند ذلك،ويدع الدعاء".

ثمَّ ما أدراكم أيها الفاترون عن الدعاء أن يكون الله قد خفف عنَّا وعن إخواننا المسلمين كثيراً من البلاء الذي كتب أن يحل بنا، وما أدراكم أن يكون من فوائد هذا الدعاء أن يكون دعاؤنا واستغاثاتنا بالله سبباً من أسباب صد المكروه عن بلادنا وعن كثير من بلاد المسلمين، والتي يتمنى عدو الله أن يحتلها ويجدها لقمة سائغة؟! وما أدراكم أن يكون دعاؤنا لإخواننا في ثغور الجهاد، ومواطن الكفاح، حفظاً لهم من أعدائهم، وردءاً لهم من تربصات المحتلين بهم، أو تخفيفاً لما يلاقيه إخواننا في أراضي الجهاد،أو سجون التحالف الكفري"وقد ذكر بعض الأسرى أنَّ العذاب ربما كان يهدأ أحياناً داخل السجن بلا سبب ظاهر، ولا وضع مألوف ، فلا يجدوا له تفسيراً إلا دعوات إخوانهم" (من مقال لأخينا/ عبدالحكيم محمد بلال بعنوان: واجبنا تجاه الأسرى في فلسطين، في مجلة البيان عدد205/ صـ71) ووالله لو لم يكن من ذلك الدعاء ورفع الكفين لرب السماء إلا لذة مناجاة الله ، وجمعية القلب عليه لكفى!

قال الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ:"والدعاء من أنفع الأدوية،وهو عدو البلاء يدافعه، ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرقعه، أو يخففه إذا نزل ، وهو سلاح المؤمن، وله مع الدعاء ثلاث مقامات:"

1ـ أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه.

2ـ أن يكون أخفَّ من البلاء فيقوى عليه البلاء، فيصاب به العبد ولكن يخففه ، وإن كان ضعيفاً.

3ـ أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم صـ13) .

وأما الجواب على ما ذكره البعض بأنَّنا لو دعونا الله فأجاب الدعاء، فإنَّ ذلك من باب تحصيل الحاصل، ولو دعوناه ولم يقدِّر لنا ما نريد ، فإنَّ دعاءنا لم ينفع، ولم نجنِ منه فائدة!

فيجاب عن ذلك بأنَّ هذه الشبهة خطيرة جداً بل إنَّ أول من قالها الجهم بن صفوان، والذي رماه العلماء المحققين بالكفر والمروق عن الدين لعدة أقوال كفرية صدرت عنه،فليخشَ العبد على نفسه من أن ينطق بعبارات أهل البدع والضلال لئلا ينزلق في مهاوي الردى، ومجانح الضَّلال.

وممن أجاب على تلك الشبهة الإمام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ حيث قال: (الدعاء والتوكل والعمل الصالح، سبب في حصول المدعو به من خير الدنيا والآخرة والمعاصي سبب، والحكم المعلق بالسبب قد يحتاج إلى وجود الشرط وانتفاء الموانع، فإذا حصل ذلك حصل المسبب بلا ريب"ـ ثمَّ قال بعد مناقشة عقدية لتلك الشبهةـ(وقد أجيب بجواب آخر وهو أنَّ الله _تعالى_ إذا قدَّر أمراً فإنَّه،يقدر أسبابه ، والدعاء من جملة أسبابه، كما أنَّه لمَّا قدَّر النصر يوم بدر وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم قبل وقوعه أصحابه بالنصر وبمصارع القوم كان من أسباب ذلك استغاثة النبي صلى الله عليه وسلم ودعاؤه، وكذلك ما وعده به ربُّه من الوسيلة، وقد قضى بها له ، وقد أمر أمَّته بطلبها له ، وهو _سبحانه_ قدَّرها بأسباب منها ما سيكون من الدعاء) (مجموع الفتاوى14/143ـ148) ."

وبعد أما بعد:

فهل نريد ـ أخي ـ أن نكون ممن تنكب طريق الدعاء، وأقبل على الأحاديث السمرية مع الخلَّان والأصدقاء، ثمَّ نطلب نصراً من الملك العلام، ونحن مفرطين بحقوقه، مضيعين لدعائه؟ فحينها لا بأس أن نقول كما قال عمر بن الخطَّاب ـ رضي الله عنه ـ:"عجباً من جلد الفاجر وعجز المؤمن"!!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت