فهرس الكتاب

الصفحة 26188 من 27364

ولنستفد من تجربة اليابان ؛ فحين رأوا أنهم قد هُزموا هزيمة نكراء على يد الأمريكان ، علموا أنَّ من أسباب ذلك: عدم قدرتهم على مواجهة الأمريكان بالسلاح ؛ لأنهم متخلفون في هذا الميدان ، وقد سبقهم الأمريكان في ذلك بعدة أشواط ، فما كان من اليابانيين إلا أن أرسلوا البعثات للتعلم في بلاد الغرب والنهل من علومهم الطبيعية ، حتى يرجعوا إلى اليابان وينقلوا على أرضها تلك التجارب الغربية الطبيعية فتنهض دولتهم . وحين بعثت أول بعثة يابانية إلى دول الغرب رجعوا إلى بلادهم متحللين من مبادئهم، ذائبين في الشخصية الغربية ؛ فما كان من اليابانيين إلا أن أحرقوهم جميعاً على مرأى من الناس ليروا عاقبة من تنكر لأمته ووطنه ولم يرعَ المسؤولية التي أنيطت به ! وبعد ذلك أرسل اليابانيون بعثة أخرى وأرسلوا معها مراقباً، يتابعهم أولاً بأوَّل من ناحية ثباتهم على عقيدتهم ومُثُلِهم الوثنية ، وانهماكهم في استقطاب الأفكار والمعلومات الغربية التقنيَّة وتطبيقها على أرض الواقع حتى يرجعوا لليابان ويفيدوا دولتهم الناشئة . وتمضي الأيام وتكون اليابان بعد سبعين سنة من أكبر منافسي أمريكا وأوروبا في مجال التصنيع التقني والذي منه تصنيع الأسلحة الثقيلة ، فهلاَّ يستفيد المسلمون من تجارب غيرهم ! عسى أن يكون ذلك قريباً !

ومن المعلوم قطعاً أنَّ الكفار ضيعوا أسباب نصرة الله المعنوية ، وهي الإيمان بالله والإيمان برسوله محمد صلى الله عليه وسلم ؛ ولكنهم أبدعوا وبرعوا في صناعة الصواريخ والمتفجرات وأسباب النصرة المادية . ونعلم ـ كما قدَّمتُ قبل قليل ـ أن المسلمين فرَّطوا بالأخذ بأسباب القوَّة الإيمانيَّة وكذا الأخذ بأسباب القوَّة الماديَّة ، وعليه فإنَّ المنطق العقلي السليم يحكم بالانتصار لمن كانت عنده القوة والأسباب المادية . ولو كان مضيعاً للأسباب المعنوية على الذي ضيَّع الأسباب المادية والمعنوية التي تحقق النصر والتمكين. ولذلك انتصر الكفار على المسلمين الذين ضيعوا أوامر الله فنسيهم ـ سبحانه ـ وضيَّعهم ، لذا قال عمر بن الخطَّاب ـ رضي الله عنه ـ لقائده:"إنَّما ننتصر بمعصية عدونا لله وطاعتنا له فإذا استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة"فمتى يستقيم الظل والعود أعوج؟!.

وقد يتساءل بعضنا: كيف يتمُّ لنا الاستعداد وعندهم الآن صواريخ عابرة القارات ، والأسلحة الذكية، والقنابل النووية والكيماوية والجرثومية والذريَّة ؟!

والجواب: إنَّ الله ـ عزَّ وجلَّ ـ لم يطلب من عباده المؤمنين بالتكافؤ مع أعدائهم الكافرين بالعتاد والسلاح ؛ بل طلب منهم إعداد القوة ؛ بشرط أن تكون هذه القوة مرهبة للكفار ومثخنة لهم، ومع الإيمان والصدق والصبر ومعيَّة الله لعباده المجاهدين يتنزل النصر عليهم بالمدد الإلهي من حيث لا يعلمون.

وما حوادث المجاهدين الأفغان وإسقاطهم للدب الروسي الأحمر ، وقد كان أقوى قوة أرضية تحكم العالم ، ما كان ذلك إلا دليلاً على أنه لا يشترط في قتال الكفار التكافؤ بالعدة والعتاد ، ولا ننسى قصة أبطال الفلُّوجة الذين قاوموا العتاد الأمريكي وأرغموهم على الانسحاب من هذه المدينة مع أنَّ المجاهدين هناك لم تبلغ قوَّتهم المادِّية عشْر معشار قوة جيش التحالف الصليبي ، وهذا أمر معلوم.

إنَّ العدة والعتاد ، ولو كان قليلاً ، إذا اصطحب مع الإيمان الحق ، والإرادة الصادقة فإنَّه لا تقف أمامه أيُّ قوَّة ، وقد قال الله: [إن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين] الأنفال [66] . وحين يتجذر هذا في قلوب الصادقين ، فإنَّهم خلال مناوراتهم الحربية ، وتطلعاتهم المستقبلية لتحرير الأراضي المنكوبة ، سيحاولون أنْ يفجروا من الحجر ناراً، ولو كان ذلك بأساليب بدائية ، فإنَّه كما قيل: الحاجة أم الاختراع ، ومع مرور الزمن تتطور تلك التقنيات البدائية ، وتنمو الأفكار التصنيعية للأسلحة والصواريخ ، وما مقاومة إخواننا في فلسطين الأبيَّة عنَّا ببعيدة ؛ فقد بدؤوا بقتالهم لليهود بالحجر والسكين ، ثمَّ بالمقلاع وقنابل المولوتوف، إلى العمليات الاستشهادية ، إلى حوادث تلغيم الأراضي التي يمر عليها اليهود بسيَّاراتهم ودبَّاباتهم،إلى صواريخهم المباركة المسمَّاة بصواريخ قسَّام [1] وقسَّام [2] ، وصاروخ البتار ؛ والذي صنِّع ليكون مضاداً للدبابات ، زادهم الله قوة ومدداً.

وصدق المولى ـ عزَّ وجل ـ إذ قال: [والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإنَّ الله لمع المحسنين] العنكبوت [69] وفي قراءة سبعيَّة: [والذين قاتلوا في سبيل الله فلن يضلَّ أعمالهم * سيهديهم ويصلح بالهم * ويدخلهم الجنَّة عرَّفها لهم] محمد [4ـ5ـ6] إلاَّ أنَّ المأساة الحقيقية في أنفسنا ؛ فكثير منّاَ لم تتعمق لديه تلك المبادئ ، أو تجده يعلم ذلك ولكنَّه يتضاءل عن تلك المعاني الرفيعة، ولا يحاول أن يستعلي بنفسه عن دونية الأرض ويحلق في سماء العزِّ والعزم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت