فهرس الكتاب

الصفحة 26190 من 27364

وما لم يفكر أبناء الأمة الإسلامية باستعادة مجدهم وتاريخهم العريق فلن يفكر بذلك أحد غيرهم ؛ بل سيخطط أعداء هذه الأمة لتحطيم الإسلام وإبادة أهله ، وقد فعلوا فالتأوه والحزن لا يصنع شيئاً، ولا يغير واقعاً ، ولله درُّ إبراهيم طوقان حين قال:

أفنيتَ يا مسكين عمرك بالتأوه والحزن

وقعدت مكتوف اليدين تقول:حاربني الزمن

ما لم تقم بالعبء أنت ؛ فمن يقوم به إذن؟

كم قلتَ: أمراض البلاد ، وأنت من أمراضها

والشؤم علتها ؛ فهل فتشت عن أعراضها؟

والغريب أننا مع كثرتنا وافتخارنا بأننا أمة المليار وربع المليار ، لم نستطع وإلى الآن أن نردع العدو، وأن نكسر شوكته، وأن ننطلق في الآفاق لنشر دعوة الله في أرجاء العالم!

إنها الغثائيَّة التي أخبر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم وكشف لأمته عن الأسباب العميقة لضعفها حين تضعف ، حيث قال:"يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم ، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن. قالوا وما الوهن؟ - أي ما سببه وما سره فإن معنى الوهن معروف وهو الضعف- قال: حبُّ الدنيا ، وكراهية الموت) أخرجه أبو داود في سننه (2/10 2) بسند جيد ."

ولهذا فحين رضينا بالدون وأحببنا الدنيا ، وصرنا نرضى بالحياة أي حياة ـ وللأسف ـ ، ولو كانت حياة هزيمة ووهن ، وأصبحت كثرتنا لا تصنع شيئاً ؛ فصرنا كما قال الشاعر:

يثقلون الأرض من كثرتهم * ثم لا يُغنون في أمر جلل

وقد عبَّر عن ذلك الدكتور عبد الودود شلبي حيث قال:"لقد سقط (المجدار) ، ومشت سكة الأجنبي في حقل الإسلام، وتداعت الأمم على المسلمين، كما تنبأ النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك بأكثر من ألف وأربعمائة عام" (أفيقوا قبل أن تدفعوا الجزية للأستاذ عبدالودود شلبي ، صـ 29) .

إنها معادلة صائبة حين نقول: غثائية جماعية = تداعي الأمم.

[4] [ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً] :

إنَّ من أخطر ما أصيب به المسلمون في كثير من أعمالهم أن معظمها صار [ ردود أفعال] فما إن تشتعل في قلوبنا حتَّى تنقطع من جديد ؛ لأننا ـ غالباً ـ نتحرك بلا هدف ولا تخطيط ؛ فالأحداث تُسَيِّرُنا وتفرض نفسها علينا ، وكثير منَّا لا يُكَيِّفُهَا حسب خطة عمل ، أو يوظفها لصالحنا،

لذا أضحت أفعالنا وقتية ، وتحركاتنا آنية . ولا شكَّ أنَّ هذا خلاف العمل المتكامل ، وكثير من علماء الإدارة يوصون بكلمة قصيرة لكن معناها عميق وهي [ابدأ والنهاية في ذهنك] .

إن النجاح الحقيقي أن يعرف الإنسان هدفه في الحياة ، وهدفه من العمل الذي يريد تحقيقه ، ثم يسعى لذلك مرتباً لكل مرحلة منهجيةً يسير عليها، ومعالم يستنير بها ، فلا يكون حاله كحال كثير منَّا يعمل متحمساً في البداية ثم ينقطع في آخر الشوط ، فلم يفلح ولم يصلح . وقد نهى الله عن ذلك بقوله: [ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا] النحل [92] .

إنَّ من أهمِّ الأمور التي وصَّانا بها علماؤنا أن يكون للإنسان في ما يريد فعله عزمة بداية ، وعزمة نهاية ؛ فتكون شرارة توقد البداية ، وعزمة تستمر للنهاية .

قال الإمام ابن رجب ـ رحمه الله ـ"العزم نوعان: أحدهما: عزم المريد على الدخول في الطريق، وهو من البدايات. والثاني: العزم على الاستمرار على الطاعات بعد الدخول فيها ، وعلى الانتقال من حال كامل ، إلى حال أكمل منه ، وهو من النهايات... وعون الله على قدر قوة عزيمته وضعفها ، فمن صمَّم على إرادة الخير أعانه الله وثبَّته، كما قيل:"

على قدر أهل العزم تأتي العزائم *وتأتي على قدر الكرام المكارم)

(مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي ، تحقيق طلعت الحُلواني، 1/344)

ومن هنا فإنَّ على مريد التمكين لهذا الدين أن يواصل سيره فلا يكلَّ ولا يملَّ ، وينكب لمشروعه النُّصروي لهذه الأمَّة انكباباً ينحني له الظهر ولو كانت بدايته مضنية، ولا ضير ؛ فقد نقل الإمام الشوكاني- رحمه الله- في (أدب الطلب) عن أفلاطون كلمة رائعة حيث قال:"وما أحسن ما حكاه بعض أهل العلم عن أفلاطون فإنه قال: الفضائل مُرَّة الأوائل حلوة العواقب ، والرذائل حلوة الأوائل مرَّة العواقب] (أدب الطلب ومنتهى الأرب/ 186) ."

فلنأخذها قاعدة أنَّ العمل الإصلاحي سيكون شاقاً في بدايته إلاَّ أنَّ ثمرته ستكون يانعة مورقة ؛ ولا بدَّ لذلك من نفس تضيء ، وهمَّة تتوقد ، وليكن لسان الحال كما قيل:

إنَّ عليَّ أن أسعى * وليس عليَّ إدراك النجاح

[5] [يا أيُّها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون] :

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت