فهرس الكتاب

الصفحة 26191 من 27364

كثير من المسلمين ـ في تقديري ـ لا ينقصهم الوعي ـ وإن كان لا بدَّ من زيادته ـ بقدر ما ينقصهم امتلاك الإرادة والعزيمة والإصرار على تحويل المكتوب في القرطاس إلى واقع حي ، ومن هذا المنطلق فإننا نحتاج إلى أن نفعل ما نقول وما نكتب ؛ فما احترق لسان بقوله: (نار) ، وما اغتنى إنسان بقوله: (ألف دينار) ، والحلول التي كتبها كثير منا في الإصلاح ومواجهة الأعداء صحيحة ، لكنَّها عملياً ليست ملموسة على أرض الواقع ؛ ولأضرب مثلاً:

أ ـ كثير من الكُتَّاب والعلماء والمثقفين ذكروا أن من أسباب هزائمنا المتوالية: انعدام الهدف ، وعدم وجود خطة استراتيجية لمقاومة الطغاة المعتدين ، فهل بدئ بترتيب شيء من هذا الكلام؟

ب ـ وكثير من العلماء والمفكرين يذكر أن من أسباب هزائمنا عدم الاعتصام بالكتاب والسنة ، ثم نجد بعضاً منهم مفرطاً بهذا الأمر، فينشغل بالبدع والخرافات ، وتقديم العقليات ، والمصالح الموهومة على النصوص الشرعية.

ج ـ وكثير ممن يحترق لأمته من أهل الدين والصلاح يقول: إنَّ من أعظم أسباب انتصارنا [وحدة الصف، وجمع الكلمة ، ورأب الصدع ، واتفاق المسلمين] ومع ذلك تجده في مواطن عدة يكون مفتاحاً للتفرق المذموم، ومضياعاً لسنة الاجتماع، ومفرطاً بأدنى الحقوق مثل حقوق المسلم على أخيه المسلم، مشهراً بعيوب من قام بنصرة دين الله ، وتعليم الناس دين الحق.

إنَّ هذه نماذج توضح أننا نمتلك رصيداً طيباً من الوعي ، إلا أنه يغاير ذلك تطبيق ما وعيناه على أرض الواقع.

إنَّ داء الكلام بلا عمل وتطبيق أمر قدْ حذَّر الله منه ومقت فاعليه قائلاً في محكم التنزيل [ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتاً عند الله أن تقولوا مالا تفعلون] الصف [2] ولهذا فلا يستغرب أن تجد من يكثر الكلام أو النقد الآثم والجدل المذموم أن لا يحسن إلا ذلك، فلا يكون إلا ثرثاراً مهذاراً وليس لديه تجاه تلك النوازل إلا توسيع دوائر الفرقة ، والقدح في أولياء الله المؤمنين والمدافعين عن حياض الأمة وكرامتها فهو كما قيل: جعجعة لا نرى لها طحناً إلا إثارة الفتن.

وصدق معروف الكرخي حين قال: ( إذا أراد الله بعبد خيراً فتح له باب العمل ، وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبد شراً أغلق عنه باب العمل وفتح له باب الجدل ) رواه أبو نُعَيْم في حلية الأولياء [8/361] ، وقال الحسن: ( إنَّ هؤلاء مَلُّوا العبادة ووجدوا الكلام أسهل عليهم وقلَّ ورعهم فتحدثوا] وقال الأوزاعي:[ إنَّ المؤمن يقول قليلاً ويعمل كثيراً ، وإنَّ المنافق يتكلم كثيراً ويعمل قليلاً) .

وما أحسن ما قاله عثمان بن عفَّان- رضي الله عنه- موصياً قوماً لقيهم: ( أنتم إلى إمام فعَّال؛أحوج منكم إلى إمام قوَّال) ( تثبيت أفئدة المؤمنين بذكر مبشِّرات النصر والتمكين/ لسيِّد عفَّاني صـ515 ) .

إنَّ من يتقن فنَّ الكلام فحسب مع الجدل الذي لا فائدة فيه ، فإنَّه ينبغي عليه أن يعلم بأنَّ ذلك ليس من شيمة أهل الإصلاح وَرُوَّاد التغيير، وإنما هو شيمة أهل الكسل والثرثرة: (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون) التوبة [87] وذلك لضعف الإرادة ، وحبُّ الذات والأنانية الَّتي سيطرت على توجهاتنا ، فصار كلٌّ يدَّعي أنَّ منهجه هو الصواب ، وما عداه يضرب به عرض الحائط ولا يبالي. وقد صوَّر حالتنا هذه الشاعر بقوله:

كلٌّ يقول: أنا الَّذي

فإذا الَّذي ليس الَّذي

يا ويح من لم يفعل !

لقد نامت عدَّة مشاريع على الرفوف ولم تنشر في أرض الواقع بسبب الأنانيَّة وحبِّ التصدر والحديث ، وعشق الرياسة ! فمتى ينتبه دعاة الإسلام لهذا الخلل، ويحاولون إصلاحه؟

[6] [أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أمَّن يمشي سوياً على صراط مستقيم] :

من أكبر أسباب هزائمنا انعدام المنهج التخطيطي لدى الكثير من الكوادر القيادية المسلمة ، ومن يقارن حالنا بحال أعدائنا يجد الفرق الهائل والبون الشاسع بيننا وبينهم من ناحية الخطة والتنظيم الحركي والعسكري ، ولذا انتصر كثير منهم علينا ؛ لأننا في الحقيقة واجهناهم بلا خطة ولا تنظيم، وصدق من قال:

درجنا على فوضى أضاعت جهودنا *وغالوا بترتيب الجهود وأقدموا

وقد يرجع الحقُّ المشوَّش خائباً * وينتصر البطلان وهو منظَّم

فمن اللازم علينا في فترتنا الراهنة أن نعدَّ خطة استراتيجية لمقاومة الاحتلال الصهيو/صليبي ، ولا يتمُّ ذلك إلا بالتأني والدراسة العميقة وقوة التخطيط، وذكاء الترتيب ، وهندسة الأفكار، وبعد النظرة ، وشمول الفكرة ، وألاَّ نهتم بالسرعة في العمل بقدر ما يهمنا قوة إيماننا وفكرتنا والتخطيط لأعمالنا ومحاولة تقسيمها على دوائر العمل والتحضير ، فكثير منا ـ نحن الإسلاميين ـ ، لا ينقصه الزكاء ـ إن شاء الله ـ مع أهمية تعاهده ، بقدر ما ينقصنا الذكاء في العمل، والبراعة في التخطيط ؛ حتى ننجح في عملية المقاومة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت