فهرس الكتاب
وحضر طعام الإفطار .. كانت الساعة تشير إلى العاشرة صباحاً ...انتظرنا صالحاً فلم يأتِ ، فقلنا: لعله ذهب لقضاء الحاجة أو نحو ذلك ... وطال انتظارنا فأصابنا القلق .. وطفقنا نبحث عنه يميناً وشمالاً ، شرقاً وغرباً فلم نعثر له على أثر...
أين ذهب صالحٌ ؟! سؤال دار في أذهاننا جميعاً ... لكنا لم نجد له جواباً ...
وبعد ساعة من الزمن ساورتنا الشكوك وخشينا أن يكون داخل العين ، ولكننا استبعدنا ذلك ، ومع ذلك حاول بعضنا دخول القصبة وإزالة الشك باليقين ، ولكن لا جدوى ؛ فقد كانت ضيقة ، والدخول فيها يعد مخاطرة .
وأكرمنا الله - عز وجل - بمجيء صبي صغير ماهر في السباحة ، فطلبنا منه الدخول والتحري ، وبعد دقائق خرج إلينا وكلنا ننظر إليه في لهفة ووجل ، فقال: لا أحد هنا .. كدنا نطير من الفرح ، وحمدنا الله - عز وجل - فصالح لا يزال بخير إن شاء الله ... لكنا فرحتنا لم تدم طويلاً ؛ فقد جاء أحد المزارعين من أهل المنطقة وأخبرنا أن ماء هذا العين يخرج من هاهنا - وأشار إلى ناحية منها - ثم قال: أرى أن الماء لا يخرج كالعادة ، وأظن أن صاحبكم داخل العين قد حبس خروج الماء بجسمه ..
نظر بعضنا إلى بعض وقد عقدت الدهشة ألسنتنا ، وأيقنا أن صالحاً - إن كان الأمر كما قال هذا الرجل - لن يخرج حياً .. فلا أحد يستطيع البقاء داخل تلك القصبة أكثر من دقائق معدودة .
الرجل المدخن الذي نصحه صالح كان قريباً منا يسمع ما نقول: وكان ماهراً في السباحة فقال: أنا آتيكم بالخبر اليقين ... ولم يمض دقائق معدودة حتى عاد إلينا فزعاً ، وقال: إن صاحبكم داخل القصبة ، واظنه لم يمت بعد ..
فأسرعنا وطلبنا الدفاع المدني ، ولكن بعد فوات الأوان ، فخرج صالح ، ولكن خرج جثة هامدة بلا روح ... وقد ظهر على جسمه علامات وقشوط تدل على أنه لاقى من شدة الموت وسكراته ما تتصدع منه الجبال ...
ومن الذي دلّ على موته ؟ إنه الرجل الذي نصحه صالح قبل وفاته بزمن يسير ... رحمك الله يا صالح ... شهيد إن شاء الله .. فأنت غريق (32) .
وأنت داعية قبل موتك بدقائق ، تقول: يا أخي ، اترك التدخين فإنه حرام ومدمر ..
لقد صدق الله فصدقه الله - عز وجل - ، فقد رآه أحد الإخوة بعد موته في صورة بهية ومعه زوجة حسناء .
وقد صلى عليه جمع غفير من الناس ، وضجت الأصوات بالبكاء ، فقد كان باراً بوالديه وإخوانه ..
صالح ... إن العين لتدمع ، وإن القلب ليحزن ، وإنا لفراقك أيا أبا أسامة لمحزون ...
صلاة مودع (33)
كان يعمل نجاراً في إحدى المدن .. لا يعرف الغش ولا الكذب ، ولا المكر ولا الخديعة ، قد رضي بما قسم الله له من الزرق الحلال وإن كان قليلاً . في ضحى كل صباح كان يغلق دكانه وينطلق إلى المسجد القريب ليتوضأ ويصلي ما كتب الله له صلاة الضحى - ثم يعود إلى دكانه ليباشر عمله إلى وقت صلاة الظهر ... وفي ضحى أحد الأيام أغلق دكانه وتوجه إلى المسجد يحث الخطى وهو في شوق إلى مناجاة ربه والوقوف بين يديه ، ودلف إلى المسجد وكبّر للصلاة فقرأ ما تيسر له من القرآن ، ثم ركع ثم رفع .. ثم سجد ..ثم قال إلى الركعة الثانية واضعاً يديه اليمنى على اليسرى ، فإذا بملك الموت قد حضر في تلك اللحظة ليقبض روح هذا العبد الصالح وهو واقف بين يدي ربه ، يناجيه بأحب الكلام إليه ، فتخرج روحه من جسده ، ويخر ساقطاً على الأرض ، ويده اليمنى على اليسرى ، فما علم به أحد إلا وقت صلاة الظهر ، ويُحمل إلى بيته ، فلما أرادوا خلع ثيابه لتغسيله أبت يده اليمنى - بإذن الله عز وجل - أن تفارق يده اليسرى وكأنه لا يزال في صلاة ، وبعد محاولات عديدة كفنوه على هذه الحال ووضعوه في قبره ليلقى ربه مصلياً ...
قال رسول ا صلى الله عليه وسلم:"يُبعث كل عبد على ما مات عليه" ( 34)
فاختبر لنفسك ما تشاء يا أخي المسلم .
خسر الدنيا والآخرة (35)
حادثة غريبة ..
ليست مشهداً من"فيلم"أو مسلسل تلفزيوني ، أو قصة نسجها مؤلف أو قاص ، ولكنه واقع أليم شهدته مدينة .. لشاب لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره ....
كان فتى يافعاً ممتلئاً نشاطاً وقوة ، لكنه لم يترب تربية إسلامية صحيحة ، ولم يُقَدِّر له أن يواصل تعليمه كسائر إخوانه وأترابه .. ضاقت به الحياة داخل أركان غرفته المتواضعة التي مكث فيها سنوات بلا عمل ... سئم الفراغ ، انتابته حالة نفسية حبسته بين الجدران ليل نهار ... ولضعف إيمانه أدمن المخدرات ..
وذات ليلة ... وبعد أن انتهى من سماع أغنية لمطرب مشهور ؛ خرج عن صمته ، وكسر أسوار العزلة .. وهرع إلى المطبخ ، ليشعل النيران في جسده الهزيل الذي أنهكه المخدرات ، مردداً في هستيريا"وداعاً أيتها الحياة".
قال رسول ا صلى الله عليه وسلم:"من قتل نفسه بشيء في الدنيا عُذِّب به يوم القيامة" ( 36)
حافظ الزمان (37)
إنه إمام الحفّاظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري صالح الصحيح رحمه الله تعالى الذي لم تسمع الدنيا بحافظ مثله ... لقد كانت حياته عجباً ، ووفاته أعجب ..