فهرس الكتاب

الصفحة 26245 من 27364

إذا لم تتخذ للموت زاداً ولم تجعل بكر الموت شُغلَكْ

فقد ضيعت حظَّكَ يوم تُدعى وأصلَكَ حين تَنْسِبُهُ وقَصْلَكْ

والموعد الجنة (30 )

خرجا من بيتهما في إحدى المدن يريدان البيت الحرام .. هو شيخ صالح ن وهي امرأة صائمة قائمة .. وقبل الخروج حدث شيء غريب .. ودعت الأم أولادها ، وكتبت وصيتها ، وقبلت أطفالها وهي تبكي ، ونظرت إليهم وكأنها نظرة مفارق ..

ومضى الزوجان إلى أطهر بقعة على وجه الأرض يطويان الفيافي والقفار ، وهناك طافا حول الكعبة المشرفة ، وسعيا بين الصفا والمروة ، ثم حلق وقصّرت ، وكرا راجعين وهما في غاية السرور والاغتباط . ولكن ... يشاء الله عز وجل - ولا راد لأمره - أن تنفجر إحدى عجلات السيارة ، فتخرج عن مسارها وتنقلب رأساً على عقب .... ويخرج الزوج سليماً معافى ، ويبحث عن امرأته الصوامة القوامة .. التقية النقية . (نحسبها كذلك والله حسيبها ) ،فيجدها . ... ولكن في سكرات الموت .. (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) ..

مد إليها يديه ليحملها ، لكنها نظرت إليه نظرة مودع قالت له: عفا الله عنك ... بلّغْ أهلي السلام .. اللقاء - إن شاء الله - في الجنة ...

ثم ختمت كلامها بشهادة التوحيد وكلمة الإخلاص: لا إله إلا الله محمد رسولُ الله لتنام قريرة العين ... لكنها الرقدة الكبرى ..

يا بانيَ الدارِ المعدَّ لها

ماذا عملت لدارك الأخرى ؟

ومُمَهِّد الفُرُشِ الوثيرةِ لا

لا تُغفل فراش الرقدة الكبرى

ويعود الرجل وحيداً بعد أن وارى جثمان امرأته والحزن يملأ قلبه ، فيستقبله أطفاله استقبلاً حاراً .. وتسأله ابنته الصغرى: أبي أين أمي ؟ .. فينعقد لسانه ويعجز عن الجواب .. فتصرخ في وجهه: أبي ، أريد أن أرى أمي ، أين أمي ؟ فينهار الرجل أمام طفلته الصغيرة ويبكي بكاء مراً ، ويقول لها: سوف ترينها بإذن الله ، ولكن في جنة عرضها السموات والأرض .. ليست كدنيانا الحقيرة ...

إلى رحمة الله يا صالح

صالح شاب عربي .امتلأ قلبه إيماناً ، وجسمه نشاطاً وقوة .. كانت أمنيته أن يرقه الشهادة في سبيله ، ويلحقه بركب الشهداء الأبرار ، فحقق الله أمنيته ولكن ...

أحد الإخوة كان مع صالح لحظة ودع الدنيا ، حدثني فقال:

كما مجموعة من الشباب لا يجمع بيننا حسب ولا نسب إلا الأخُوَّةُ في الله ، قررنا ذات يوم القيام برحلة خلوية ، نستعيد فيها نشاطنا ، ونستجمع قوانا ، وانطلقنا ..وهناك ..وعبد أن صلينا الفجر ؛ خرجنا مهرولين ، هتفانا:"الله أكبر"ونشيدنا:

نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً

ظللنا على هذه الحال قرابة ساعتين ونصف الساعة حتى أصابنا الإعياء من شدة التعب ...كان صالح - رحمه اله - أكثرنا حماساً ، وأشدنا بأساً ..كان يجري وقلبه يتفطر ألماً وحسرة ، وكأنه على مشارف الأقصى ليحرره من أيدي اليهود الغاصبين ، ولسان حاله يقوله: هاأنذا قادم إليكم ولنعيد أقدسنا ونصلي في أقصانا ..

وبعد تلك الجولة المرهقة ؛ أوينا إلى شجرة وارفة الظلال حول إحدى العيون .. كانت السماء صافية ، والجو ساكناً ، والصمت يخيم على أرجاء المكان ، يقطعه أصوات العصافير وهي تنشد أشعارها فوق أغصان الأشجار ..

كنا نتحدث ، ويمازح بعضنا بعضاً فترتد أصداء أصواتنا من الجبال القريبة منا فنتذكر تسبيح الجبال مع داود - عليه السلام - فيزيدنا ذلك إيماناً بالله ، واعترافاً بعظمته - سبحانه -.

ولما افتربنا من عيرن الماء ، تاقت أنفسنا إلى السباحة ، فنزلنا جميعاً إلا صالحاً ظل واقفاً في مكانه ينظر إلينا وكأنها نظرة مودع ... دعوته إلى النزول فأبدى عدم رغبته في ذلك ، وكان قد نسي ملابس السباحة ... لكنه بعد لحظات أقبل علينا وقد لبس ملابس رياضية استعارها من أحد الأخوة ، ولما هم أن يلقي بنفسه في الماء ؛ التفت فرأى رجلاً من بعيد في يده سيجارة ، فأبى إلا أن يذهب إليه وينصحه ، فاستجاب الرجل ، وألقى ما في يده .. وعاد صلح ..ووقف على حافة العين ، وكأنه يريد منا أن نفسح له ليأخذ مكانه بيننا ..فقضينا وقتاً ممتعاً داخل تلك العين ، ولم نكن نعلم أن ملك الموت كان قريباً منا في تلك اللحظات .. لقد كان في تلك العين فتحة صغيرة تسمى ( القصبة ) قطرها لا يزيد عن قطر إطار السيارة .. كان الأطفال الصغار يدخلونها ، ويذهبون إلى قرابة مترين ونصف المتر تحت الماء حتى يصلوا إلى منطقة فيها منسم ، فيستريحون قليلاً ثم يخرجون ..وكثيراً ما كنا نفكر في اقتحام هذه القصبة ، لكنّ أحداً منا لم يجرؤ على ذلك ، مع أن الأمر يبدو في ظاهره سهلاً ..

وفجأة ، ونحن مشغولون بمطاردة الكائنات المائية الصغيرة ، ينسل صالح ويدخل لك القصبة ، وكأنه يريد أن يقول لنفسه: إذا كنت اليوم تخافين دخول مثل هذه القصبة ، فكيف بد غداً إذا لقيتِ أعداء الله في أعماق البحار وقمم الجبال ..

"أوصيك بالتسجيلات" (31) قالها صالح لأحد الإخوة ، وهي أخر كلمة سمعناها منه فلم نلقِ لها بالاً ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت