هذا الخلل الذي أصاب النظام وفّر مناخا ملائما لتنشيط القبلية، كما أعطى فرصة ثمينة لصيادي القبلية والمستفيدين منها، فزرعوا الفتن والشكوك بين القبائل، وكسبوا مراكز حكومية رفيعة في الدوائر الحكومية، وأداروا ظهورهم للمصلحة العامة.
ظهرت شخصيات كثيرة في قمة سلم الحكم، لا يهمها التاريخ وما يسجله من تصرفاتهم، فركزوا نفوذهم على الكسب غير المشروع...""
هذا النص من مقال اللواء عمر الحاج، وهو وزير الدفاع الصومالي السابق الذي كان مشاركا في الحكم، وقد جرت العادة أن التاريخ الذي يكتب في عهد الطغاة وينشر، يكون غالبا في صفهم مدحا وثناء بالكذب والبهتان، وأن التاريخ الذي يكتب بعد ذهابهم قد يكون صادقا وقد يكون مبالغا في ذمهم ونسبة السوء إليهم، ولكننا نعرف أن هذا الكاتب لم يذكر إلا قطرة من بحار تاريخ الزعيم الصومالي وكذبه السياسي المدمر.
كما أنه لم يذكر ما يتعلق بمحاربته الإسلام وعلماء الإسلام الذين أحرق مجموعة منهم [راجع مجلة المجتمع الكويتية. عدد (234) 15/11/1395هـ-. 28يناير سنة 1975م ص: 6 وما بعدها.] بسبب معارضتهم لقانون أصدره يساوي بين المرأة والرجل في الإرث الذي فرق الله فيه بينهما في نص كتابه.
والأمة التي تحارب عقيدتها ودينها وشريعتها ويحرق علماؤها، ثم لا تحرك ساكنا في ردع المعتدي الآثم، لا بد أن تصل في النهاية إلى هذه المأساة التي يقول الله فيها وفي أمثالها: (( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ) ). [الأنفال: 25]
ومن هنا نعلم أن أهل الحق الصادقين يسعدون البشرية بحقهم وصدقهم، وأن أهل الباطل الكاذبين يشقون البشرية بباطلهم وكذبهم.
ولعل الأمة الإسلامية تتنبه لخطر كذب قادتها الذين يحاربون الإسلام، وكذبهم السياسي المدمر الذي تجند لترويجه كل طاقات الدولة، حتى ينطلي عليها ويستمر في تضليلها فترة طويلة، ولا تشعر بآثاره المدمرة إلا بعد أن يفوت الأوان وتتحطم الشعوب اقتصاديا وسياسيا وأمنيا وخلقيا وعسكريا، حتى يصبح استعمارها من قبل أعداء الإسلام الذين يوفرون لها لقمة العيش وشيئا من الأمن النسبي، أحب إليها من بقائها تحت مطارق الخوف والجوع والسلب والنهب والقتل والتشريد [كما هو حاصل الآن في الصومال الذي سيطرت عليه القوات الأمريكية تحت مظلة مجلس الأمن والإغاثة الإنسانية مستترة بتأييد حلفائها الذين شاركوها بقوات رمزية شبيهة بالمحلل في فقه النكاح!]
الضرر الرابع للكذب: نشر الفاحشة بين المؤمنين.
ومن الأضرار المترتبة على الكذب: انتهاك أعراض الناس والولوغ فيها، ونشر الفاحشة بين المؤمنين، بقذف المحصنات المؤمنات الغافلات-والمحصنين كذلك-وذلك مما يفقد الثقة بين الأسر والمجتمعات ويفككها، ويؤذي شرفاءها ويجرئ فساقها على ارتكاب الرذائل، والطمع في نيل المعصية والإثم من أهل الطاعة والزلفى عند الله تعالى.
وهذا الاعتداء الآثم على أعراض الشرفاء لا يقدم عليه إلا من أصبحت الرذيلة صفة معتادة لهم، والكذب والافتراء ديدنهم، وحب انتشار الفاحشة متأصلا في نفوسهم، يؤذيهم وجود الطهر والطاهرين، ويرضيهم وجود القذر والقذرين، فلا يهدأ لهم بال حتى يلطخوا سمعة الأطهار، وذلك دأب المنافقين الذين تلازمهم الأخلاق السيئة وبخاصة الكذب.
ولقد نال أذاهم أطهر من وجد على الأرض رسول ا صلى الله عليه وسلم ، في زوجه أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما، وكان الذي تولى كبر الإفك العظيم رئيس المنافقين آنذاك: عبد الله بن أبي بن سلول، وجر معه بعض المسلمين الذين لم يحسنوا الظن ببيت النبوة والرسالة، فأنزلوا بذلك من الأذى والفتنة والغم، ما يعجز عنه الوصف إلا أن يكون وصف المؤمنة المحصنة الغافلة المظلومة، عائشة رضي الله عنها-كما روى القصة بطولها مسلم عنها [رقم الحديث: رقم:4974]
وفي ذلك أنزل الله تعالى آيات محكمة توبخ من وقعوا في هذا البهتان العظيم الذي رميت به السيدة الطاهرة-التي يعد من اتهمها بعد نزول هذه الآيات المبرئة لها مكذبا للقرآن، ومن كذب بالقرآن-كغلاة الرافضة-فقد كفر.
قال تعالى: (( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا أولئك هم الفاسقون... ) ).؟؟
ثم قال تعالى بعد ذلك: (( إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم، لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم، لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين-إلى قوله تعالى-: ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم، إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم، يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين، ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم، إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) ). [النور: 12-19]