فأهل الحق الصادقون لا يفترون ما يخدش الأعراض، بل لو عملوا منكرا ارتكبه مؤمن فالستر عندهم عليه أولى، إلا إذا جاهر صاحبه وعاند، وأهل الباطل الكاذبون يطلقون ألسنتهم في أعراض الناس افتراءً بدون علم.
الضرر الخامس: إهدار الحقوق بشهادة الزور.
ومن الآثار المترتبة على الكذب شهادة الزور، وشهادة الزور تزهق بها الأرواح، وتنتهك بها الأعراض، وتغتصب بها الأموال، وتستحل بها الفروج، ويزكى بها الفساق، ويفسق بها العدول، ويفقد بها الكفء مكانه الذي يستحقه لتنتفع به فيه الأمة، ويوضع الخائن بها في مكان تقتضي الضرورة أن يكون فيه الأمين.
وقد شرع الله الشهادة من أجل توثيق الحق، والذي يوثق الحق بشهادته هو العدل، أما شاهد الزور فإنه يضيع الحق بدلا من حفظه.
قال تعالى: (( وأشهدوا ذوى عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ) ). [الطلاق: 2]
ونفى عن أهل الحق-وهم المؤمنون به-صفة شهادة الزور، فقال تعالى: (( والذين لا يشهدون الزور ) ). [الفرقان: 72]
وأمرهم-أي أهل الحق-أن يشهدوا بالحق في كل حال، ولو كانت الشهادة تؤدي إلى أخذ صاحب الحق حقه منهم، كما قال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ) ). [النساء: 35]
الضرر السادس: اتهام الكاذب بعيوبه مَن هم منها براء.
كما قال تعالى في مثل هذا: (( ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ) ). [النساء: 112]
وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت في طعمة بن أبيرق الذي سرق سلاحا، فشكاه صاحب السلاح إلى رسول ا صلى الله عليه وسلم ، فألقى السارق السلاح المسروق في بيت رجل برئ، ليبرئ نفسه ويحمل البريء إثمه، وعندما وجد السلاح في بيت الرجل البريء ثبتت-في الظاهر-براءة السارق، فأنزل الله هذه الآية وآيات قبلها منها قوله تعالى: (( إنا أنزلنا إليك الكتاب لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما ) ). [ النساء: 105، وراجع تفسير هذه الآيات في كتاب تفسير القرآن العظيم لابن كثير.]
وما أكثر ما يرتكب ناس مثل هذه الخطيئة! ويبرؤن أنفسهم مما ارتكبوه ويلطخون به البريئين.
وبنظرة في وسائل الإعلام في هذا العصر، يرى المرء العجب العجاب من الاتهامات الكاذبة من فرد لآخر، ومن جماعة أو حزب لجماعة أو حزب آخر، ومن دولة لدولة أخرى، وكثيرا ما يكون المتَّهِم غارقا في العيوب والنقائص التي اتهم بها غيره.
والسبب في ذلك هو الاتصاف بصفة الكذب التي تلازم أهل الباطل غالبا، وفقد صفة الصدق التي تلازم أهل الحق.
تابع لغرس الأخلاق الفاضلة في النفوس
ثالثا: العدل.
والعدل من أسس صفات أهل الحق، وهو مطلوب ضرورة في الحياة عند كل الأمم، ولا تستقيم الحياة بدونه، والأمم كلها مسلمها وكافرها تعلم أنه ضرورة لحياتها، لأن كل فرد وكل أسرة وكل أمة تحرص على أن لا يمسها غيرها بالظلم، بل تحب أن ينصفها المتعامل معها، لكن الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر وشريعة الله العادلة-وهم أهل الباطل-يحرصون على أن يعاملهم الناس بالعدل، والغالب أنهم إذا قدروا على ظلم غيرهم-من غير أن ينالهم ضرر-لا يتورعون عن الظلم، لأنهم لا يخشون جزاء ولا عقابا إلا إذا نالهم القانون والقضاء وما يسمى بأجهزة الأمن-في الدنيا-فإذا أمنوا من ذلك كله، فالأصل عندهم الأثرة وظلم الغير، لأنهم أهل باطل.
والذي لا يحب الظلم ويلازمه العدل مع القريب والبعيد والصديق والعدو، هو المؤمن بالله وبرسول صلى الله عليه وسلم واليوم الآخر الذي يلتزم بشريعة الله وحكمه وينفذهما، وهؤلاء هم أهل الحق، لأن الحق تعالى أمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم، وهم يطمعون في ثوابه على طاعته ويخافون من عقابه على معصيته، ويعلمون أن إيمانهم لا يكمل إلا إذا أحبوا لغيرهم ما يحبون لأنفسهم من الخير، وقد يصل بهم إيمانهم إلى التنازل عن بعض حقوقهم الخاصة، إذا كان التنازل عنها مشروعا، ولكنهم يحرصون على إيفاء الناس حقوقهم بدون نقصان.
وقد أكد الله تعالى لعباده أنه يأمر بالعدل والإحسان وينهي عما يناقضهما من الظلم والفساد والمنكر، فقال تعالى: (( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) ). [النحل: 90]
وقد نهى الله رسوله عن اتباع أهواء أهل الكتاب الذين تفرقوا من بعد ما جاءهم العلم، وأمره أن يعلن للناس إيمانه بما أنزل الله، وأنه أمر بالعدل بينهم، كما قال تعالى: (( فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب، وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير ) ). [الشورى: 15]