فهرس الكتاب

الصفحة 26314 من 27364

وأمر الله تعالى عباده المؤمنين-كما أمر نبيه-بالعدل ولو كان على أنفسهم ونهاهم عن اتباع الهوى-كما نهى نبيه-كما قال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) ). [النساء: 135]

فالهوى كثيرا ما يغري الإنسان بالظلم وترك العدل، إما لجر مصلحة لصاحبه أو لقريب أو صديق، وإما لإنزال ضرر بعدو بغيض. والحق سبحانه وتعالى أراد أن يستأصل هذا الهوى الظالم في كلا الأمرين: محاباة القريب، بل والنفس، كما مضى، وبغض العدو أو الخصم، فقال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ) ). [المائدة: 8]

إنه قمة ما تحتاج إليه الأمم في كل زمان: أن ينصف القادر خصمه ولو على نفسه أو أقربائه وأن يعدل مع أشدّ أعدائه.

وقد يرى أعداء الحق أن هذا من المثاليات قد تدور بالخيال ولكن تطبيقها في الواقع بعيد المنال، وهذا الرأي صحيح بالنظر إلى الأوضاع التي يعيش الناس فيها بعيدا عن منهج الحق وتطبيقه: منهج الله الذي أنزله في كتابه ودعا إليه عباده، وقد استجاب لدعوته الرعيل الأول من أصحاب رسول ا صلى الله عليه وسلم فطبقوه تطبيقا تندب البشرية اليوم حظها التعيس لفقده، وتبعهم على ذلك أهل الحق ولا زال منهم من يتمسك به-وإن كانوا قلة في هذا الزمان-ولو عاد المسلمون إلى ذلك المنهج من جديد، لرأت الأمم في الأرض ما تتمناه من العدل الذي أمر الله به على وجه العموم، وأمر به في الحكم كما قال تعالى: (( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمّا يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا ) ). [النساء: 58]

وأمر به في الشهادة كما قال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم ) ). [المائدة: 106]

وأمر به في الصلح بين الناس، بحيث لا يكون في الصلح ظلم لأحد المتخاصمين، بسبب ضعفه وقوة خصمه أو لغير ذلك، كما قال تعالى: (( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ) ). [الحجرات: 9]

وأمر به في التعامل الأسري، فقال تعالى: (( فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت إيمانكم ذلك أدنى أن لا تعولوا ) ). [النساء: ؟]

وكل الحقوق التي أمر الله بها، وكل المظالم التي نهى الله عنها، إنما تتحقق بالعدل الذي هو ملازم لأهل الحق بحسب نصيبهم منه.

وصح عن: رسول ا صلى الله عليه وسلم ، أنه قال:"إن المقسطين عند الله على منابر من نور". [مسلم: (3/1458) رقم الحديث: 1827.]

وقد ربى رسوله ا صلى الله عليه وسلم أصحابه-وكل رسول سبقه كذلك-على العدل، حتى اعترف لهم بذلك أعداؤهم من أهل الكتاب كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: افتتح رسول ا صلى الله عليه وسلم خيبر، واشترط أن له الأرض وكل صفراء وبيضاء [يعني الذهب والفضة] . قال أهل خيبر: نحن أعلم بالأرض منكم فأعطناها على أن لكم نصف الثمرة، ولنا نصف، فزعم أنه أعطاهم على ذلك، فلما كان حين يصرم النخل [يقطع] بعث إليهم عبد الله بن رواحة، فحرز عليهم النخل، وهو الذي يسميه أهل المدينة الخرص، فقال: في ذِه كذا وكذا، قالوا أكثرت علينا يا ابن رواحة، فقال: فأنا أَلي [أي أتولى] حزر النخل وأعطيكم نصف الذي قلت. قالوا: هذا الحق (و) به تقوم السماء والأرض قد رضينا أن نأخذه بالذي قلت" [أبو داود واللفظ له (3/698) وابن ماجة (1 /582) وهو صحيح.] ."

وعن سليمان بن يسار أن رسول ا صلى الله عليه وسلم كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر، فيخرص بينه وبين يهود خيبر، قال: فجمعوا له حليا من حلي نسائهم، فقالوا له: هذا لك [يعني رشوة] وخفف عنا وتجاوز في القسم، فقال عبد الله بن رواحة: (يا معشر اليهود! والله إنكم لمن أبغض خلق الله إليّ وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم، فأما ما عرضتم عليّ من الرشوة فإنها سحت، وإنا لا نأكلها) . فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض [الموطأ (4/ 270) والحديث مرسل وهو يفيد شيئا مما جرى بين ابن رواحة واليهود.] .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت