وقال ابن كثير رحمه الله:"وهذا السياق في شأن الأوس والخزرج، فإنه قد كان بينهم حروب كثيرة في الجاهلية وعداوة شديدة وضغائن وإحن وذحول، طال بسببها قتالهم والوقائع بينهم، فلما جاء الله بالإسلام فدخل فيه من دخل منهم، صاروا إخوانا متحابين بجلال الله، متواصلين في ذات الله، متعاونين على البر والتقوى" [تفسير ابن كثير (1/390) ]
وقال تعالى:?...هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) ? [الأنفال]
قال القرطبي رحمه الله: ?وألف بين قلوبهم? أي جمع بين قلوب الأوس والخزرج، وكان تأليف القلوب مع العصبية الشديدة في العرب، من آيات صلى الله عليه وسلم ومعجزاته، لأن أحدهم كان يُلطم اللطمة، فيقاتل عنها حتى يستقيدها، وكانوا أشد خلق الله حمية، فألف الله بالإيمان بينهم، حتى قاتل الرجل أباه وأخاه بسبب الدين، وقيل أراد التأليف بين المهاجرين والأنصار والمعنى متقارب" [تفسير القرطبي 8 (/42) ] "
وقال ابن كثير رحمه الله:"ثم ذكر نعمته عليه بما أيده به من المؤمنين المهاجرين والأنصار، فقال: ?هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم? أي جمعها على الإيمان بك وعلى طاعتك ومناصرتك وموازرتك، ?لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم? أي لما كان بينهم من العداوة والبغضاء، فإن الأنصار كانت بينهم حروب كثيرة في الجاهلية بين الأوس والخزرج، وأمور يلزم منها التسلسل في الشر، حتى قطع الله ذلك بنور الإيمان، كما قال تعالى:"
?واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون?
وفي الصحيحين أن رسول ا صلى الله عليه وسلم لما خطب الأنصار في شأن غنائم حنين، قال لهم: (يامعشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي) كلما قال شيئا، قالوا: الله ورسوله أمن""
الواقع يدل على ما ذكره ابن خلدون.
وإن الواقع الذي رأيناه في عمرنا القصير في هذا العصر، ليدل دلالة واضحة أن العرب لا تجتمع كلمتهم، ولا ينصاع بعضهم لبعض، بدون أن يقودهم منهج الله الذي أتاهم به كتابه وسنة نبيه.
ولنضرب بعض الأمثلة من دلالة الواقع في زمننا القريب:
المثال الأول: أن غالب الدول العربية جربت كل مبدأ من المبادئ التي ظهرت في العالم شرقيه وغربيه:
أطلقت شعار القومية العربية التي أراد المعتدون الغربيون، إحلالها محل الجامعة الإسلامية، بعد سقوط رمز الخلافة العثمانية، ونشأت على إثرها جامعة الدول العربية، سنة 1945م.
وأطلقت شعار العلمانية التي طبقت في الغرب، وهي تعني في الغرب، فصل الدين عن الدولة، ولكن الدول العربية التي نادت بهذا الشعار لم تكتف، بفصل الدين عن الدولة، بل حاربت كل من يدعو إلى العمل بالكتاب والسنة وتطبيق شريعة الله، وقامت باعتقالهم وسجنهم وتعذيبهم وتشريدهم بل وقتل كثير منهم، ولا زالت هذه الحرب مستمرة في بعض تلك البلدان إلى يومنا هذا...
ورفعت شعار الاشتراكية العلمية التي كانت سببا في فقر الأغنياء، وزيادة في فقر الفقراء...
بل إن بعضها رفعت شعار الإلحاد الشيوعي، وقامت عليه، وأنزلت بقادة الفكر والعلم وأهل الرأي في بشعوبها أشد أنواع الابتلاء، التي فاقوا فيها أساتذتهم في روسيا الماركسية و الصين الماوية....
المثال الثاني: عدوان من ملك القوة من زعماء العرب على من ضعف منهم، وما حصل في الستينات وما تلاها إلى أواخر الثمانينات التي كان آخرها حروب الحليج المختومة بالعدوان الصليبي اليهودي اليوم...
المثال الثالث: ما رفع من شعار الوحدة أو الاتحادات سواء كانت ثنائية أو إقليمية، بحيث لا ينادى بها اليوم إلا لتنشب بين أهلها نزاعات وإحن وعداوات غدا، ومن أمثلة ذلك الوحدة بين مصر وسوريا، والاتحاد المغاربي، والاتحاد العربي الذي أعلن بين مصر والعراق والأردن واليمن...
المثال الرابع: فشل المؤتمرات والاجتماعات العربية الثنائية أو الإقليمية أو القومية، التي تعقد بعد ضجيج إعلامي يظن عوام الناس معه أن وراء رعودها وبروقها غيثا مدرارا، ثم يفاجأون بعد زمن يسير بما يحزنهم من المواقف، وقد سربت وسائل الإعلام في الفترات الأخيرة قليلا مما يحدث بين بعض الزعماء من خصام وتلاسن كافيين للدلالة على ما خفي من ذلك...
المثال الخامس: ما جرى بين الدول العربية من حروب وعداوات، بسبب قِطَعٍ من الأميال على الحدود، وهي كثيرة ولا زالت ناشبة في بعض الدول العربية إلى اليوم...
المثال السادس: فشل جامعة الدول العربية التي مضى على إنشائها ستون عاما:
[كان التوقيع الرسمي على ميثاق في 22/3/ 1945م