فهرس الكتاب
كل ما يقال من مبررات: أننا نُسْمعهم صوت الإسلام ، أننا نعلن رفضنا المستمر للتشريع بغير ما أنزل الله ، أننا نتكلم من المنبر الرسمي فندعو إلى تحكيم شريعة الله ، كل ذلك لا يبرر تلك المخالفة العقدية الواضحة .
يقولون: ألم يكن صلى الله عليه وسلم يذهب إلى قريش في ندوتها ليبلغها كلام الله ؟!
بلى، ولكنه لم يكن يشاركهم في ندوتهم ، ولو أن مسلماً يدعو إلى تحكيم شريعة الله ، استطاع أن يذهب إلى ندوة الجاهلية المعاصرة ، ويُسْمح له بالكلام فيها كما كانت تَسْمح الجاهلية الأولى لرسول ا صلى الله عليه وسلم ، لكان واجباً عليه أن يذهب وأن يبلغ ، لأنه في هذه الحالة لا يكون"عضواً"في الندوة ، إنما هو داعية من خارجها ، جاء يدعوها إلى اتباع ما أنزل الله ، فلا الندوة تعتبره منها ، ولا هو يعتبر نفسه من الندوة ، إنما هو مبلغ جاء يلقى كلمته ثم يمضى .
أما المشاركة في"عضوية"الندوة بحجة إتاحة الفرصة لتبليغها كلمة الحق ، فأمر ليس له سند من دين الله .
ثانياً:"تمييع القضية بالنسبة ( للجماهير ) ":
إننا نقول للجماهير في كل مناسبة إن الحكم بغير ما أنزل الله باطل ، وإنه لا شرعية إلا للحكم الذي يحكم بشريعة الله ؛ ثم تنظر الجماهير فترانا قد شاركنا فيما ندعوها هي لعدم المشاركة فيه ! فكيف تكون النتيجة ؟!
وإذا كنا نحن نجد لأنفسنا المبررات للمشاركة في النظام الذي نعلن للناس أنه باطل ، فكيف نتوقع من الجماهير أن تمتنع عن المشاركة ، وكيف تنشأ"القاعدة الإسلامية"التي سيقوم عليها الحكم الإسلامي ، القاعدة التي ترفض كل حكم غير حكم الله ، وترفض المشاركة في كل حكم غير حكم الله !
إننا نحسب أننا بدخولنا البرلمانات ، نقوم"بعمل"ييسر قيام"القاعدة الإسلامية"، لأنه يدعو إليها من فوق المنبر الرسمي ، الذي له عند الناس رنين مسموع ، ولكنا في الحقيقة نعوق قيام هذه القاعدة بهذه التمييع الذي نصنعه في قضية الحكم بما أنزل الله .
فلا يعود عند الجماهير تصور واضح للسلوك"الإسلامي"الواجب في هذه الشئون ، ولن تتكون القاعدة بالحجم المطلوب لقيام الحكم الإسلامي حتى ينضج وعى الجماهير ، وتعلم علم اليقين أن عليها - عقيدة - أن تسعى لإقامة الحكم الإسلامي وحده دون أي حكم سواه ، وألا تقبل وجود حكم غير حكم الله .
ثالثاً: أن لعبة"الدبلوماسية"كما أثبتت تجارب القرون كلها ، لعبة يأكل القوى فيها الضعيف ، ولا يتاح لضعيف من خلالها أن"يُغافل"القوى فينتزع من يده شيئاً من السلطان !
والقوة والضعف - في لعبة الدبلوماسية - لا علاقة لها بالحق والباطل ! ولا علاقة لها بالكثرة والقلة !
فالأقلية المنبوذة من الشعب ، المكروهة منه ، التي تسندها في الداخل القوة العسكرية ، وتسندها من الخارج إحدى القوى الشيطانية الموجودة اليوم في الأرض هي القوية ، ولو لم يكن لها أنصار ، والأكثرية المسحوقة المستضعفة هي الضعيفة ، ولو كانت تمثل أكثرية السكان !
ومن ثم فالجماعات الإسلامية - الداخلة في التنظيمات السياسية لأعداء الإسلام - هي الخاسرة في لعبة الدبلوماسية، والأعداء هم الكاسبون! سواء بتنظيف سمعتهم أمام الجماهير ، بتعاون الجماعات الإسلامية معهم ، أو تحالفها معهم ، أو اشتراكها معهم في أي أمر من الأمور ؛ أو بتمييع قضية الإسلاميين في نظر الجماهير ، وزوال تفردهم وتميزهم الذي كان لهم يوم أن كانوا يقفون متميزين في الساحة ، لا يشاركون في جاهلية الساسة من حولهم ، ويعرف الناس عنهم أنهم أصحاب قضية أعلى وأشرف وأعظم من كل التشكيلات السياسية الأخرى ، التي تريد الحياة الدنيا وحدها ، وتتصارع وتتكالب على متاع الأرض .
ولا تعرف في سياستها الأخلاق الإسلامية ولا المعاني الإسلامية ؛ فضلاً عن مناداتها بالشعارات الجاهلية ، وإعراضها عن تحكيم شريعة الله .
ولم يحدث مرة واحدة في لعبة الدبلوماسية أن استطاع المستضعفون أن يديروا دفة الأمور من داخل التنظيمات السياسية التي يديرها أعداؤهم ، لأن"الترس"الواحد لا يتحكم في دوران العجلة ، ولكن العجلة الدائرة هي التي تتحكم في"التروس"! وما حدث من"إصلاحات"جزئة عارضة في بعض نواحي الحياة على يد"الإسلاميين"لا تطيقه الجاهلية ولا تصبر عليه ، وسرعان ما تمحوه محواً وتبطل آثاره .
وتظل الآثار السيئة التي ينشئها تمييع القضية باقية لا تزول ، وشرها أكبر بكثير من النفع الجزئي الذي يتحقق بهذه المشاركة ، حتى لكأنما ينطبق عليه قوله تعالى:
( فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ) [سورة البقرة 2/219]
أما توهم من يتصور أن الجاهلية تظل غافلة حتى يتسلل الإسلاميون إلى مراكز السلطة ، ثم - على حين غفلة من أهلها - ينتزعون السلطة ويقيمون الحكم الإسلامي ، فوصفه بالسذاجة قد لا يكفي لتصويره ! وتجربة الجزائر تكفي - فيما اعتقد - لإبطال هذا الوهم - إن كان له وجود حقيقي في ذهن من الأذهان .
أخيراً:
أما الفريق الثالث من المتعجلين فهم: أصحاب"التفكير العلمي"و"الدراسات العلمية"!